فاصل إقتصاد جيوسياسي ذهبي

فاصل إقتصاد جيوسياسي ذهبي:
من السمات المحيرة في الحرب السودانية استمرار تصدير الذهب السوداني إلى الإمارات العربية المتحدة دون انقطاع، حتى في ظل التدهور الحاد في العلاقات السياسية بين البلدين. وقد أثار هذا الاستمرار جدلاً واسعاً داخل السودان. حمّل بعض المعلقين الوطنيين الحكومة السودانية المسؤولية، بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، متهمين كبار ضباط الجيش بما اعتبروه تواطؤ مع الإمارات رغم الخلاف السياسي.
إلا أن هذا النقد كان في غير محله إلى حد كبير. كان السودان، الذي هو في أمس الحاجة إلى العملة الأجنبية، يفتقر إلى أسواق بديلة جاهزة لاستيعاب ذهبه. أما الإمارات، باقتصادها الضخم والمتطور والمتنوع، فبإمكانها بلا شك أن تظل مزدهرة سواء بوجود الذهب السوداني أو بدونه. فعلى الرغم من أهميته، تستطيع الإمارات الاستمرار في ثرائها دون الذهب السوداني.
إن التعدين عمومًا، والذهب خصوصًا، عملية معقدة وطويلة تبدأ بالتنقيب، مرورًا بالاستخراج، والتنقية، وصولًا إلى التصدير. ويحتاج البلد إلى شبكات دولية راسخة وفعّالة لإتمام هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها. إلا أن هذه العملية الطويلة التي تشمل التعدين والشحن الخدمات اللوجستية والتجارة والتمويل، تتطلب شبكات وجهات فاعلة مختلفة في بلدان مختلفة. ولا يمكن إنشاء هذه الشبكات في فترة وجيزة، مما يعني أن السودان لم يملك فرصة سهلة لتغيير وجهة صادراته من الذهب بين عشية وضحاها. ولذلك، كان إلقاء اللوم على الحكومات أو الجنرالات في قضية استمرار تعاملهم مع الإمارات العربية المتحدة في غير محله.
لكن ديناميكيات هذا الاعتماد تتغير الآن مع دخول المملكة العربية السعودية الساحة بقوة، معلنةً استعدادها لاستيعاب إنتاج السودان من الذهب من البداية إلى النهاية. وللمرة الأولى، يكتسب السودان خياراً بديلاً حقيقياً في تحديد وجهة تصدير سلعته الأساسية.
من جهة أخرى، لم تمنع الإمارات العربية المتحدة السودان من بيع الذهب في أسواقها رغم الصعوبات السياسية، ويُشكر لها عدم حرمان السودان من عائدات أهم صادراته فهي إمارات المؤسس شيخ زايد الخير.
ولكن من جهة أخرى، يمكن القول إن الإمارات لم ترغب في إجبار أو تشيجع السودان على البحث عن أسواق تصدير بديلة باستبعاد الذهب السوداني من سوقها المزدهر. أي أن سماحها بحصول السودان علي عائدات تصدير الذهب إلي أسواقها هدف إلي إبقاء السودان في مجال جاذبيتها كأحد مصادر اقتصادها المزدهر علي المدي الطويل بعدم تشجيعه علي إيجاد أسواق بديلة متاحة في أماكن مثل الهند والصين وتركيا وسلطنة عمان والمملكة السعودية .
لكن الآن وقد دخل الفيل السعودي إلى الساحة الاقتصادية، فإن تأثير تحويل صادرات ذهب السودان نحو الأراضي المقدسة سيكون ضئيلاً للغاية على الإمارات الغنية والمتنوعة اقتصادياً (نسأل الله أن يبارك شعبها ويزيدهم ثراءً). وكذلك حال السعودية ذات الثراء الاقتصادي الموجود قبل ذهب السودان وبدونه إذ سيكون الذهب السوداني نقطة في بحر نعمتها.
أما بالنسبة للسودان، فإن المكاسب السياسية من هذه التغيرات الأخيرة كبيرة وحقيقية. إضافة إلي المغازي الجيوسياسية العميقة، فان تأمين تنويع حاسم للأسواق المتاحة للسودان يُمثل مكسباً اقتصادياً استراتيجياً بالغ الأهمية.
ملحوظة: الصورة فقط للفت الأنظار وتسويق البوست. هفيه عقد الذهب هدية سيدة السودان الاولي السيدة سكينة، زوجة الرئيس إبراهيم عبود، لجاكلين كندي، زوجة الرئيس الأمريكي جون كيندي، في اكتوبر 1961. وهو معروض في مكتبة جون كندي في بوسطون.
معتصم اقرع






