إسحق أحمد فضل الله يكتب: (مطلوب مخرج عبقري)

سهل أن تملأ حنجرتك بالقول… لكن الشاهد الذي يعلن أن السوداني لا يشبهه في الدنيا أحد هو “قهوة وسط الصحراء”. ومبنى في وسط الصحراء تماماً بناه رجل عبقري يعرف معنى كلمة “الحاجة”، وما هي التجارة.
والمبنى وسط الصحراء لأن الحاجة إليه تكون هناك… والغرفة هذه هي غرفة يزورها صاحبها مرة كل شهر، ويترك فيها ما يحتاجه مسافر الصحراء من لقمة وجرعة قهوة. وأيام كانت الشاحنات تقطع الصحراء وتمشي أياماً، كان السائق يصل إلى الغرفة هذه، ويصنع طعامه وقهوته، ويغفو قليلاً، حتى إذا أراد الانصراف وضع ثمن طعامه في علبة هناك…
ومع أن النفوس هي ما هي، فإنه لم يحدث أن فُقد شيء، أو أن أحداً انصرف دون أن يضع مبلغاً في العلبة؛ فكل واحد من المتعبين يعلم أنه سوف يأتي بعده جائع متعب… شخص قضى الليلة الماضية ساهراً متعباً يبحث عن لقمة وساعة في الفراش. وكل واحد يشعر في أعماقه بالشعور الغريب الذي يصنعه النبل والنقاء في ساعة النجدة والحاجة إلى النقاء…
السوداني هو هذا… ولن تجد له نسخة أخرى في العالم. والقهوة هذه هي الرمز والصورة التي لو قدمها محاضر في لقاء عالمي عن السوداني، لكان من أعظم الرسامين. وكثير ممن يبحثون عن السوداني يظنون أن السوداني هو “الشوتال” و”المركوب”، و”الجبة” و”الراكوبة” و”الماعز” و… و… وهي أشياء تبخرت مع زمانها، أما النبل فهو شيء لا يتبخر.
وفكرة القهوة هذه ومكانها وسلوك السوداني هي أشياء ترسم -وبقوة- حقيقة الاقتصاد كيف هو، وحقيقة المجتمع عند السوداني كيف هو…
والتعبير القوي (ما من كتير)؛ فأشهر فيلم قصير كان على الشاشة: طفل على سرير… والطفل مشلول. والكاميرا تذهب إلى سقف الغرفة وتثبت هناك… دقيقتان… أربع… خمس… وبعض المشاهدين يخرجون. بعد الدقيقة الثامنة صوت مذيع يقول للمشاهدين: “تشعرون بالضجر بعد خمس دقائق من النظر إلى نقطة واحدة… وهذا الصبي المشلول ينظر إلى هذا السقف منذ سنوات”.
انتهى الفيلم بعد أن نقل للناس ما لا تنقله الكلمات الطويلة. وفيلم صامت عن “قهوة الصحراء” هذه هو عمل يقدم السوداني للناس في تفرّد لا يشبهه عمل آخر… خصوصاً أنه عمل حقيقي وليس خيالاً. وهو عمل عن كل سوداني يقدم خدمة لمن لا يعرفهم، ولن يلقاهم. ولعل اسم الفيلم يكون هو: (أنا أخوك إت)
إسحق أحمد فضل الله





