محل الرئيس بينوم، والطيارة بتقوم !!

كانت ولازالت مسألة اختيار موقع الخرطوم عاصمة للسودان هى الأسوأ من ناحية طبوغرافية، وقد جاء في تفصيل ذلك: أن مستوى سطح الأرض التي قامت عليها الخرطوم لا يكاد يرتفع عن أعلىٰ مستوىٰ لسطح الماء في النيلين أثناء الفيضانات العالية، ويزيد من المخاطر تلك الخيران التي تمتلئ بالمياه في موسم الفيضان وانسياب مياه النيل الأبيض عند فيضانه في منخفض كبير جنوب المدينة، وتزامُن سقوط الأمطار مع ارتفاع منسوب النيلين، ويفاقم من المشكلة عدم وجود مصرف طبيعى يأخد المياه إلى النيل الأزرق.كما جاء فى مذكرة مستر Stanion مدير الخرطوم عام 1908م، وزاد عليه أحد الرحالة بالقول أنه (ليس هناك من بقعة غير ملائمة تماماً لقيام عاصمة أكثر من البقعة التي قامت عليها الخرطوم). ويستفيض المؤرخون في تعداد القبائل التي أعطت منطقة الخرطوم عند ملتقىٰ النيليـن ملامحها العمرانية، لكنهم يُجمعون على أن المحس والجعليين هم أول من قَطَنَ بالخرطوم.
وظلت مشكلة الخرطوم من الناحية الطبوغرافية قائمةً بالرغم من محاولة الكثير من المعنيين في أزمان لاحقة تخفيف الآثـار السيئة التى تطرأ على العاصمة الخرطوم مع حلول موسم الفيضان وفي فصل الخريف الذى يحيل معظم شوارع الخرطوم إلى بِركٍ آسنة يصعب سير البشر والسيارات فيها.
وهناك آراء عديدة ترىٰ ضرورة نقل العاصمة إلى موقع آخر ، وكنتُ من مؤيدي هذا الرأى، ولكن !!
عندما قامت المليشيا الإرهابية المجرمة بشن حربها القذرة على بلادنا واستهدفت قلب العاصمة الخرطوم، ومارست كل أنواع الحقد على المدنيين فيها واحتلت منازل الخرطوم بل وادَّعتها لنفسها، اتضح أن الخرطوم غاية لهم في حد ذاتها، وقد قال ناعقهم: الخرتوم دى اِلَّا نخليها ليكو رُماد!!
وسَمَّىٰ أحد مخدوعيهم المعتوهين نفسه والياً على الخرطوم !! ولو لم يكن هناك من سبب لتحرير الخرطوم سِـوىٰ هذه الأسباب الثانويـة لكفـىٰ.
نحن نحب الخرطوم رغم أنف الطبوغرافيا، ونحب الطين والطَّمَلة ونحب رائحة الدعاش المنبعث من الجدران المبلَّطـة بالزبـالة.
وبالطبع نحن نحب
جيشنـا وكل القوات المساندة والمستنفرين وجموع الشعب قاطبة التى شاركت فى تحرير الخرطوم من الفئة الباغية وأجلتهم عنها ولم تبقِ منهم باقية، إلا من شراذم المتعاونين واللصوص الذين تترصدهم أعين الشرطة والأمن فى كل يوم وتقتادهم إلى المحاكم أذلةً صاغرين، ليأخذ القانون بعد ذلك مجراه، فلن يجُاورنا في الخرطوم بعد اليوم مليشيى ولا متعاون مع المليشيا.
وقد أحسنت لجنة إعادة التأهيل تحت رئاسة عضو مجلس السيادة الفريق ابراهيم جابر، صُنْـعاً فقامت بواجبها على أتمّ وجه،ممـا مَهَّـدَ الطريق لعودة الحكومة إلى مقرها في الخرطوم عاصمة السودان.
وبدأ السطر الجديد من أول الصفحة،ببداية عودة سكان مدينة الخرطوم إلى بيوتهم وما يستتبِـع ذلك من خدمات ضرورية ولو في حدها الأدنى والعافية درجـات .
نتطلع وبكل ثقة إلى عودة مطار الخرطوم للخدمة حتى تكتمل الصورة التى تقول: (الخرطوم محل الرئيس بينوم، والطيارة بتقوم، والتكسي بيحوم).
وكم كان البرهان موفقاً وهو يقف في قلب القصر الجمهورى بالخرطوم ليوجه التهنئة للشعب السوداني بمناسبة ذكرى الاستقلال برفع العلم إيذاناً بقيام دولة 56 المُفتـرىٰ عليها.
التحية لجيشنـا الباسل ولجماهير شعبنا المجاهد وللشهداء الكرام.
وما النصر إلا من عند الله.
محجوب فضل بدري




