من دمشق إلى الخرطوم .. دروس في تفكيك الكيانات الموازية واستعادة الدولة

يشكّل الاتفاق التاريخي بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع أمس (الأحد)، نموذجاً سياسياً وعسكرياً فريداً في كيفية تفكيك الكيانات الموازية دون الانزلاق إلى فوضى أمنية شاملة.
وبالإسقاط على الحالة السودانية، نجد أن هذا النموذج يقدم خارطة طريق واقعية للتعامل مع ميليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية، ليس عبر التسويات السياسية الهشة، بل من خلال استعادة مركزية الدولة عسكرياً واقتصادياً وإدارياً.
الاندماج الفردي وتفكيك البنية الصلبة:
يكمن جوهر نجاح النموذج السوري في مبدأ الاندماج الفردي، وهو ما يحتاجه السودان اليوم لتفكيك ميليشيا الدعم السريع وإعادة بناء الجيش على عقيدة وطنية واحدة.
إنهاء الاستقلال الهيكلي:
كما وافقت “قسد” على حلّ هياكلها ودمج عناصرها كأفراد داخل المؤسسة العسكرية، ويجب أن يُبنى أي اتفاق في السودان على حلّ قوات الدعم السريع كمنظومة مستقلة. فالدمج لا يعني شراكة بين جيشين، بل انصهار العناصر الصالحة فنياً وأخلاقياً في جسد القوات المسلحة السودانية تحت راية الوطن.
الفلترة والتدقيق:
اعتمد الاتفاق السوري على تدقيق أمني صارم للعناصر المنضمة، وهو ما يجب تطبيقه في السودان لاستبعاد المتورطين في الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين، مع قبول العناصر “غير المتورطة” بصفة فردية. بذلك يُكسر الولاء للقبيلة أو القائد لصالح الولاء للوطن.
تجريد السلاح النوعي:
يجب نقل السلاح الثقيل والطائرات المسيّرة إلى سيطرة القوات المسلحة فوراً، تماماً كما نصّ الاتفاق السوري على خضوع جميع القدرات العسكرية لوزارة الدفاع، ضماناً لسيادة الدولة على القوة المسلحة.
تأميم الموارد وتجفيف المنابع:
كانت السيطرة على النفط في شرق سوريا مفتاح استعادة الدولة لسيادتها الاقتصادية، وبالقياس فإن الذهب والمنافذ الحدودية في السودان يمثلان العصب الموازي ذاته.
استعادة السيادة على الذهب:
إن تطبيق بند “تسليم حقول النفط” السوري على “مناجم الذهب” في دارفور وجبل عامر يُعدّ خطوة حاسمة نحو السلام الحقيقي، فلا يمكن تحقيق استقرار دائم ما دامت الميليشيا تمتلك ميزانية موازية لميزانية الدولة.
تفكيك الإمبراطورية المالية:
كما تم في سوريا دمج المؤسسات الخدمية، يمكن للسودان أن يؤمم الشركات التجارية التابعة لميليشيا الدعم السريع ويحوّل أصولها لصالح إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
الاعتراف مقابل الإذعان:
قدّمت الحكومة السورية اعترافاً بالحقوق الثقافية مقابل الولاء الكامل للدولة، ويمكن للسودان اتباع مدخل مماثل يعيد الدمج المجتمعي دون ترسيخ الولاءات الميليشياوية.
التمثيل المحلي لا الميليشياوي:
ينبغي منح أبناء المناطق التي كانت تحت سيطرة الميليشيا (كدارفور وكردفان) حقاً أصيلاً في الإدارة المحلية والتمثيل السياسي في المركز، ولكن بصفتهم مواطنين سودانيين لا ممثلين لميليشيا. هذا يقطع الطريق أمام الخطاب الذي يوظّف “التهميش” لتبرير التمرد.
وحدة الأرض والسيادة المركزية:
لا مجال لوجود مناطق “إدارة ذاتية” خارج سلطة الخرطوم، ويجب أن تُسلَّم جميع المعابر الحدودية والجمارك للقوات النظامية من شرطة وجيش، بما ينهي نهائياً ظاهرة “الدولة داخل الدولة”.
ختاماً: السيادة لا تُمنح.. بل تُستعاد:
إن الاستفادة من النموذج السوري لا تعني استنساخاً أعمى، بل استلهام تجربة ناجحة في إعادة مركزية الدولة وهيبتها. فالإرادة العسكرية والسياسية الواعية وحدها هي التي تحوّل السلام من “هدنة مؤقتة” إلى “استقرار مستدام” يحمي السودان من مخاطر التمزق ومن المليشيات العابرة للحدود.
إن نجاح تجربة “الاندماج والسيادة” في السودان مرهون بوضوح الرؤية، وثبات الإرادة، والإيمان بأن السيادة لا تُمنح.. بل تُستعاد.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان





