رأي ومقالات

من يدفع تكلفة رسوم ترمب الجمركية؟

من يدفع تكلفة رسوم ترمب الجمركية؟
في إطار الحرب الجمركية التي شنّها ترامب على العالم، أثار الكثير من اللبس حول من يتحمل تكلفة هذه الرسوم، هل الأجانب أم مواطنو ارميكا، الدولة المستوردة؟
بالطبع، ادعى الرئيس ترامب باستمرار أن تكلفة رسومه الجمركية يتحملها المصدرون الأجانب، متهما إياهم بـ سرقة الأموال والأسواق الأمريكية.

قبل الخوض في الجوانب الاقتصادية، يجدر توضيح فرق مهم. فترمب، على غرار تصنيف الفيلسوف هاري فرانكفورت يُمكن وصفه بأنه “مُخادع” أو فنان هراء أكثر من كونه كاذبا. فكما يوضح فرانكفورت، الكاذب يُخفي الحقيقة عن عمد، وهكذا يقر ضمنيا بوجودها حتى وإن تجاهلها. أما المُخادع، فهو غير مُبالٍ بالحقيقة إطلاقًا، ولا يقر بوجود حقيقة موضوعية ويطلق تصريحاته لخدمة أجندة محددة، دون أدنى اكتراث بصحتها أو زيفها، بل قد لا يعلم حتى إن كانت صحيحا – أحيانا يسمي السودانيون هذا النوع “موهوم” كما هو سائد في خطاب أخدام الحلف الجنجويدي.

والآن، نعود إلى من يتحمل تكلفة الرسوم الجمركية. للإجابة على هذا السؤال، لاحظ وجود ثلاثة أطراف رئيسية: المنتجون الأجانب (في الصين مثلاً؟)، والشركة المستوردة في الولايات المتحدة (وول مارت مثلاً؟)، ثم المستهلك الأمريكي.

لنفترض أن شركة صينية تصدّر منتجًا وتبيعه لشركة وول مارت مقابل دولارين للوحدة. وتبيع وول مارت المنتج نفسه للأمريكيين مقابل ثلاثة دولارات. الآن، لنفترض أن ترامب فرض تعريفة جمركية بنسبة 50% على المنتج. هذا يعني أنه عند الحدود، ستدفع الشركة المستوردة (وول مارت) للحكومة الأمريكية دولارًا واحدًا عن كل وحدة من المنتج المستورد. بعد ذلك بالنسبة لشركة وول مارت، تبلغ التكلفة الإجمالية لاستيراد المنتج 3 دولارات (دولاران للمصدر الصيني ودولار واحد رسوم جمركية للحكومة الأمريكية). أمام وول مارت الآن عدة خيارات:
– تحميل المستهلك كامل الرسوم الجمركية وبيع المنتج بأربعة دولارات بدلاً من ثلاثة. في هذه الحالة، يتحمل المستهلك الأمريكي كامل تكلفة الرسوم الجمركية، وتحافظ وول مارت على ربحها من كل وحدة، كما في السابق، حيث تربح دولارًا واحدًا عن كل وحدة مباعة.

– قد يقرر وول مارت أن زيادة السعر بدولار واحد ستؤدي إلى انخفاض حاد في المبيعات، لذا قد يكون من الأفضل تحميل المستهلك نصف الرسوم الجمركية (أو أي نسبة أخري منها). في هذه الحالة، قد تبيع وول مارت الوحدة بثلاثة دولارات ونصف. هذا يعني أن وول مارت سيتحمل نصف الرسوم الجمركية، وتحمل النصف الآخر للمستهلك الأمريكي، لكنها سيظل يربح نصف دولار عن كل وحدة مباعة. يسمح هذا لوول مارت بالحفاظ على سعر تجزئة تنافسي مع تغطية الرسوم الجمركية. في هذا السيناريو، يتحمل وول مارت جزءا من تكلفة الرسوم الجمركية .لكن مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه في هذه الحالة، يتحمل الأمريكيون كامل تكلفة الرسوم الجمركية، سواء كانوا مستهلكين أو شركات استيراد.

– لكن هناك احتمال آخر. قد تخشى الشركة الصينية المصدرة من انخفاض مبيعاتها في الولايات المتحدة. إذ ربما ستتراجع مبيعاتها في أمريكا وستفقد حصتها السوقية لأن تعريفة ترمب الجمركية سترفع أسعار منتجاتها في المتاجر الأمريكية. قد تقرر الشركة الصينية، في هذا السياق، أن من الأفضل لها حماية حصتها السوقية عن طريق خفض السعر الذي تفرضه على وول مارت. لذا، فبدلاً من بيع الوحدة بدولارين، قد تقرر بيعها بدولار ونصف، بحيث يبقى السعر النهائي للمستهلكين منخفضًا نسبيًا، وتحافظ على الميزة التنافسية لمنتجها في السوق الأمريكية. في هذا السيناريو، يتحمل المُنتِج الأجنبي جزءًا من تكلفة الرسوم الجمركية.

باختصار، من الناحية النظرية، يمكن توزيع تكلفة التعريفة الجمركية بين المُصدِّر والمستورد والمستهلك. يمكن لكل طرف من هؤلاء تحمل التكلفة كاملة بمفرده أو عدم تحمل أي جزء منها. بعبارة أخرى، ستتقاسم الجهات الثلاث تكلفة التعريفة، حيث يدفع كل طرف حصة تتراوح بين صفر ومائة بالمائة.

وبالتالي، يختلف توزيع تكاليف الرسوم الجمركية باختلاف المنتج. ما لم يخفض المصدر الأجنبي سعره، يتحمل سكان البلد المستورد التكلفة كاملةً في نهاية المطاف، إما كمستهلكين يواجهون أسعارًا أعلى، أو كشركات تواجه انخفاضًا في الأرباح.

والسؤال المهم الآن هو: ما الذي يحدد كيفية توزيع هذه التكلفة؟ يعتمد التوزيع على ديناميكيات السوق، والخصائص المحددة لدوال العرض والطلب ولا سيما المرونة النسبية، أي مدى حساسية أرباح المنتجين ومنافع المستهلكين لتغيرات الأسعار.

لذا، من وجهة نظر علمية بحتة، لا يمكن تحديد كيفية توزيع تكلفة الرسوم الجمركية مسبقًا، فهي مسألة تجريبية لا يمكن الإجابة عنها نظريًا. لكن ترامب مُخادع، لا يُبالي ومنفصل عن الاهتمام بالحقيقة ب، وقد قرر أن الأجانب سيتحملون التكلفة الكاملة حتى قبل تطبيق رسومه الجمركية. مع ذلك، تشير الأبحاث التجريبية اللاحقة إلى أن معظم تكلفة رسوم تر مب الجمركية يتحملها المستهلكون والمستوردون الأمريكيون، وليس الأجانب.

وقد أوضحت الأبحاث الاقتصادية اللاحقة الأثر الواقعي لهذه الرسوم الجمركية بأن العبء الأكبر وقع على المستهلكين الأمريكيين والشركات الأمريكية المستوردة، وليس على المصدرين الأجانب.

ولكن الحقيقة لا تقف حجر عثرة أمام إدعاء ترمب لأبجيقاته بانه شفشف الصين واروبا والباد امبريز بتاعين أمريكا الجنوبية.

معتصم اقرع