لماذا الجيش أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية السودانية من الأحزاب!!

لماذا الجيش أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية السودانية من الأحزاب!! : قراءة في مأزق السياسة السودانية
ليست المفارقة في السودان أن يتقدّم الجيش على الأحزاب في مشهد السياسة، بل المفارقة الأعمق أن يكون الجيش – بوصفه مؤسسة انضباطية فوق سياسية – أكثر انسجامًا مع البنية الثقافية والاجتماعية الحاكمة من الأحزاب التي يُفترض بها أن تكون التعبير الأرقى عن الإرادة الشعبية والتنظيم المدني في السودان .
فالسودان، في جوهره العميق، لا تحكمه الدولة الحديثة بقدر ما تحكمه فكرة “العرّاب”، أو ما يمكن توصيفه اصطلاحًا بـ نظرية “الشيخ/الحوار”: بنية رمزية مستمدة من التربية الصوفية، تقوم على مركزية الشيخ، قداسة الطاعة، وأخلاقيات الأدب قبل الفعل، والتهذيب قبل المبادرة.
وهي بنية أنتجت مجتمعًا عالي الاحترام للتراتبية، لكنه منخفض القابلية على التمرد الخلّاق.
الجيش، بحكم طبيعته التنظيمية، لم يصطدم بهذه البنية، بل اندمج فيها بسلاسة. فالعقيدة العسكرية في السودان – كما تشكّلت تاريخيًا – لم تُبنَ على مفهوم “المؤسسة الجمهورية” الحديثة، بقدر ما تماهت مع نموذج الشيخ-القائد:
الأوامر تُنفّذ، القرار مركزي، والشرعية تُستمد من الرمز لا من التداول.
أما الأحزاب، فقد وقعت في المأزق الأخطر:
لم تُنتج حداثة سياسية حقيقية، ولم تحافظ على تقاليدها التنظيمية الأصلية.
الأحزاب المنبتّة: بين التكيّف المرضي وفقدان الجوهر
الأحزاب السودانية بصورتها الحالية هي كيانات منبتّة:
منبتّة عن المزاج العام، ومنبتّة عن القاعدة الاجتماعية، ومنبتّة – وهذا الأخطر – عن ذاتها الفكرية الأولى.
فبدل أن تقوم بدورها الطبيعي كـ بناء قاعدي أفقي (Horizontal Grassroots Construction)،
انزلقت إلى نمط التكيّف المرضي مع البنية الصوفية-السلطوية، فاستعارت نموذج الشيخ بدل أن تناقضه، واحتضنت الزعامة الأبدية بدل أن تؤسس للتداول.
وهكذا، تحوّل الحزب من تنظيم سياسي إلى طريقة،
ومن فضاء نقاش إلى حلقة ذكر سياسية،
ومن أداة لإنتاج القيادة إلى آلية لإعادة إنتاج الزعيم نفسه.
لم تعد البرامج تُنتج القيادات،
بل القيادات تُنتج البرامج… أو تُعطّلها.
ثقافة الأدب حين تتحول إلى قيد سياسي
لا يمكن إنكار أن التربية الصوفية التي تسربت إلى بنية المجتمع السوداني قد أسهمت في إنتاج قيم نبيلة:
التهذيب، التسامح، خفض الصراع، وتجنّب العنف الرمزي.
لكن هذه القيم، حين تنتقل بلا نقد إلى المجال السياسي، تتحول من فضائل أخلاقية إلى قيود بنيوية:
– تقتل الإبداع الفردي لصالح الامتثال الجماعي
– تُضعف المبادرة الشخصية باسم “الأدب”
– تُجرّم النقد باعتباره “قلة تهذيب”
-تُحوّل القيادة إلى مقام لا يُسأل
وقد انسحب هذا النموذج في السودان على:
– التعليم، حيث يُكافأ الحفظ لا التفكير
– الخدمة المدنية، حيث تُقدّس الأقدمية لا الكفاءة
– الأحزاب، حيث يُخلّد الرئيس منذ التعيين… إلى الممات
الزعيم الأبدي: عرض مرضي لا استثناء تنظيمي
ليس استمرار رؤساء الأحزاب لعشرات السنين ظاهرة عارضة، بل هو عرض مرضي لبنية ثقافية-سياسية مشوّهة.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الزعيم باعتباره:
> موظفًا سياسيًا بعقد محدد المدة
بل باعتباره:
> “شيخ الطريقة السياسية”،
ومرجعيتها الرمزية،
ومالك الشرعية التاريخية.
وبذلك تُفرغ مفاهيم:
– الانتخاب
– المحاسبة
– التداول
من مضمونها، وتتحول إلى طقوس شكلية بلا أثر.
خاتمة: المعضلة ليست في العسكر وحدهم
الخطأ التحليلي الشائع هو اختزال أزمة السودان في “تغوّل العسكر”.
الحقيقة الأعمق أن الأزمة تكمن في غياب حزب حديث قادر على كسر نموذج العرّاب، لا استنساخه.
فالعسكر لم يفرضوا ثقافتهم على الأحزاب،
بل الأحزاب عجزت عن إنتاج ثقافة سياسية بديلة.
ومن دون تفكيك نموذج الشيخ-الزعيم،
وإعادة الاعتبار للفرد،
وإطلاق الحرية داخل التنظيم قبل المطالبة بها في الدولة،
ستظل الأحزاب أقل حداثة من الجيش،
وأقل ديمقراطية من مؤسسة لم تُخلق أصلًا لتكون ديمقراطية.
وذلك هو جوهر المأزق السوداني.
وليد محمدالمبارك احمد





