رأي ومقالات

في طاولة الجنجويد، اقرؤوه مرات ومرات

حملكم حميدتي ومن خلفه الإمارات حملا لم تقدروا عليه، وهو حمل إسقاط الدولة والتمرد على جيشها بلا روافع فكرية ولا مشاريع سياسية ولا مقولات أيديولوجية. حمل مخيف وخطير لإسقاط دولة راسخة ولها جذور وقيم ومرتكزات ومناعة وقدرة على امتصاص الهزات. حمل يتسيده رجل فارغ المكانة ومنزوع الأفكار، يتحرك بلا هوادي ولا موجهات ولا قيم. أعطاكم مقولات فارغة من أي أهداف ولا مثال تسعون للوصول إليه. فلا أنتم قوميون عرب وناصريون ولا أنتم بعثيون، ولا أنتم أصحاب ماركسية لينينية ولا ليبراليون، ولا أنتم إسلاميين رافضين للتبعية والقوى الإمبريالية ومتبنين الإسلام منهجاً وحكماً وتشريعاً، ولا أنتم حتى حركة تحررية مطلبية. جمعكم حميد-تي وشقيقه وأتى بكم، فغزا وقتل ونهب ثم جاء ليصنع المشروع على جرائمكم..

قد تستغربون وتسألون محتارين كيف لدولة سقطت عاصمتها وحوصر رئيسها ودمرت مؤسساتها وهوجمت مقراتها وسقطت أكبر مدنها تلو الأخرى أن تعود من بين الركام، بحسابات السياسة والعسكرية أنتم منتصرين، ولكن بلطف الله وحسابات التاريخ والأصالة والرسوخ أنتم مهزومين منذ أول طلقة ومنذ أول بيت نهبتوه. أنتم جماعة حديثة بالسياسة والعسكرية والحكم والإدارة، قدرتكم على الاستمرار تساوي فترة ظهوركم التي لم تتجاوز العشر سنوات، في مقابل جيش له مائة سنة وله جذور وعقيدة وثقافة وحضور في حياة الناس وخيالهم وأمنهم وتفكيرهم. جيش متجذر في نفوس السودانيين كمؤسسة ضامنة لأي فوضى ولأي اضطراب يصيب البلاد، مؤسسة بقيت مائة سنة وقادرة على أن تبقى مائة سنة أخرى بمنطق البقاء والاستمرار..

لدى الدكتور نسيم طالب مبدأ يسمى تأثير ليندي “Lindy effect” يمكن تطبيقه على ميليشيتكم المتضخمة. أذكر أنه بعد سقوط التصنيع الحربي والاحتياطي المركزي تواصل معي أحد مناصريكم ممن رأوا الحشود والتاتشرات وظنوا أن الحكم قد آل لآل دقلو خالصاً من دون الناس، فسارع ليجد لنفسه مقعداً مع الكثيرين ممن حملوا نفس الاعتقاد. قال لي إن الدعم-السريع قد سيطر على السودان، وأن كفة التاريخ قد أنصفت الدعم-السريع وأهدته السودان متحكماً فيه وفي مستقبله، وأن عليك أن تنحي للعاصفة وتقبل بالرافد الجديد الذي سيحكم السودان بقوة القوة وبكثرة المناصرين والمهمشين..

كان ردي لهذا الميليشي أنك لو قرأت التاريخ ولو استخلصت العبر من قصصه لعرفت أن عوامل انتصار وبقاء الميليشيا معدومة، ولو سيطرت على كافة السودان طالما كان هناك جيش يقاتل وأصوات رافضة لوجودها، وأن التاريخ ينصف الجيش وتدعم سننه بقاءه وهزيمة الميليشيا. قلت له إن نسيم طالب يقول في نظريته إنه كلما طال عمر مؤسسة أو ظاهرة أو قانون أو أي شيء قابل للاستهلاك، زاد احتمال استمراره في المستقبل. فمؤسسة الجيش التي صمدت مائة سنة وخاضت حروباً وهزات وانقلابات وعاصرت حكومات وشاركت في حروب داخلية وخارجية ونجت من مؤامرات إقليمية ودولية واختبرت ظروفاً اقتصادية سيئة وعايش جنودها وضباطها صدمات وهزات كبيرة، بالطبع قادرة على البقاء لمائة سنة أخرى..

قلت له ماذا عن الميليشيا، ما هو سلوكها التنظيمي وما هي عقيدتها القتالية وما هي الظروف التي شملت نشوءها وعلى ماذا تستند، وما هو أثرها في حياة الناس ومستقبلهم وتفكيرهم.قلت له أنا أعرف أنها في خيال الناس مؤسسة للغنيمة والسرقة، فما من أحد انضم لها قبل الحرب إلا كان عينه على المال أو الجاه أو المكانة والتقرب لأخذ عطاء أو حصة أو مشروع أو جرامات ذهب. فمؤسستك التي ولدت في عام 2017 لا تستطيع البقاء لعام 2117، بل أقصى مدة لبقائها هي عشر سنوات من نشوئها، فهشاشتها الداخلية وبنيتها القيادية غير قابلة للبقاء ولو سيطرت على بورتسودان دعك من التصنيع الحربي والاحتياطي المركزي..
فيا معشر الجنجويد ربما تعيدون خططكم وقد تراجعون أساليبكم، وقد تظنون أن سبب خسارتكم للخرطوم والولايات التي سيطرتم عليها هو سوء انتشاركم وتمددكم واستعجالكم، وقد يعيد من يستثمر في اندفاعكم تسويق فكرة إعادة التنظيم والهجوم واستعادة ما فقدتموه، وهو سراب خادع يتجاهل الأسباب الحقيقية لفشل خططكم ومشروعكم. فإما أن تعوا وتتراجعوا وتتوبوا وتقدموا من أجرم منكم للمحاكمة، أو أن تجري عليكم سنة التاريخ ويفعل فيكم كما فعل في غيركم.
حسبو البيلي
حسبو البيلي
#السودان