إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي

في لحظات ما بعد الحرب، لا يعود سؤال إعادة الإعمار مقتصرًا على المباني والجسور والطرق ، بل يمتد إلى ما هو أعمق: الوعي، الذاكرة، والقدرة على العيش المشترك والقبول بالأخر . هنا، ينهض المسرح بوصفه أحد أكثر الفضاءات حساسية لقياس عافية المجتمع، لأنه المرآة التي لا تجامل، والمنصة التي تُعيد صياغة الأسئلة الكبرى.
ومن هذا المنظور، يكتسب الحوار الذي أجرته بالأمس الزميلة بصحيفة التيار : سماح طه مع الدكتور يوسف عيدابي قيمة تتجاوز الإطار الثقافي، ليغدو وثيقة سياسية مهمة حول معنى الدولة، والهوية، ودور الفن في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي في السودان.
عيدابي، المولود في 1944 بعطبرة، درس الحقوق ثم السينما ، وأنتج أفلامً حازت جوائز، وحصل على دكتوراه في المسرح من وقت مبكر أسس تيار مدرسة الغابة والصحراء، ومسرح عموم أهل السودان، وأشرف على تطوير المناهج المسرحية والسينمائية، وأدار برامج متخصصة في الثقافة ، مستثمرًا خبرته الأكاديمية في إرساء مسرح تفاعلي يرتبط مباشرة بالقضايا الاجتماعية والسياسية ويعتبر من القامات الوطنية في المجال .
عيدابي لا يتحدث عن المسرح بوصفه ترفًا جماليًا، بل باعتباره أداة اجتماعية وسياسية، قادرة على الاشتباك مع الواقع، ومساءلة السلطة، وترميم ما تهدّم في الوجدان الجمعي. فحين يصف أي مسرح لا ينحاز لقضايا الناس بأنه “بذخ غير مقبول” ، فإنه يضع حدًا فاصلًا بين فن يُراكم الرمزية الجمالية ، وفن يُعيد إنتاج العزلة، في بلد ما زال ينزف.
هذا الموقف أصيل في مسيرة عيدابي، بل امتداد لرؤيته المؤسسة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين صاغ مشروع “مسرح لعموم أهل السودان” ، في تماهٍ فكري مع تيار” الغابة والصحراء” الذي سعى إلى مصالحة الوجدان السوداني مع تعدديته الثقافية والفكرية ، وفضّ ثنائية الإقصاء بين العروبة والأفريقانية. في هذا السياق، يصبح المسرح لغة جامعة ، قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والعرقية، وصياغة سردية وطنية جديدة ناهضة ، تتأسس على التعدد لا الإلغاء او التهميش .
غير أن هذه الرؤية، كما يقرّ عيدابي من خلال الحوار ، اصطدمت بحدود الدولة ومؤسساتها. فمحاولات الدمج بين الأكاديمي والمهني، بين النظري والحرفي، تعثرت بفعل بيروقراطية لا تعترف بالقيمة الرمزية لصنّاع الثقافة الشعبية. وهنا يتبدّى البعد السياسي للأزمة: فالمسرح لم يفشل لقصور فني او مهني ، بل لأن الدولة لم تُدرجه بما يتناسب وتأثيره ضمن أولوياتها التنموية، وظل خارج سياسات الاعتراف والتخطيط والدعم .
الآن الحرب أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. فالمسرحيون، كما يشير عيدابي، لم ينتظروا مؤسسات الدولة، بل ذهبوا إلى الناس: إلى معسكرات النزوح، إلى الأطفال والنساء، إلى هوامش المدن. ظهر “مسرح المشاركة” و”مسرح المقهورين” ، كأشكال مقاومة ناعمة، تُعيد للإنسان صوته، وتفتح فضاءً آمنًا للحوار في زمن الخوف. هذا التحول يعكس وعيًا جديدًا بوظيفة الفن، بوصفه وسيطًا للعدالة الإجتماعية ، لا مجرد عرض على خشبة.
من هنا، تكتسب عودة المسرح القومي في أم درمان دلالتها السياسية. فهي ليست حدثًا ثقافيًا فحسب، بل إعلانًا مهمآ عن عودة الدولة إلى فضاء التأثير
حين تتعهد الدولة بدعم المسرح بحضور عضو مجلس السيادة الفريق أول إبراهيم جابر، ومشاركة والي الخرطوم ووزير الثقافة والإعلام والسياحة، وتعيد بهذا الاحتفاء افتتاح المسرح القومي، فإنها تؤكد على حقيقة لا جدال فيها: المعركة بعد الحرب ليست أمنية فحسب، بل صراع على الوعي والذاكرة الوطنية واعادة كتابة سردية الحرب .
فالمسرح لا يقتصر على كونه فضاءً للعرض، بل يتحول إلى سلاح ثقافي يعيد صياغة الهوية، ويصون قيم الوحدة والمصالحة المجتمعية. ولكي يتحقق دوره على الصعيد الوطني، يجب تفعيل دور حكومات الولايات في تعزيز دور المسرح الولائي ، ليخرج من العاصمة ويصل إلى كل أرجاء السودان، ويصبح قوة فاعلة حقيقية تواجه الصراع اليومي على السرديات والهوية والذاكرة الوطنية بانتباه وروية مؤاثرة .
لكن هذا الاعتراف يظل هشًا ما لم يتحول إلى سياسة ثقافية واضحة تتبناها الدولة ، تُدرج المسرح ضمن مشاريع إعادة الإعمار، بوصفه أداة لترميم النسيج الاجتماعي، ومجالًا لعقد المصالحات المجتمعية. فالمسرح، كما يرى عيدابي، ليس فضاءً للفرجة، بل مختبرًا للوعي، يُعيد تدريب المجتمع على الاختلاف، ويكسر دوائر الكراهية.
في هذا المعنى، يصبح “نبذ خطاب الكراهية” الذي رافق افتتاح المسرح القومي، ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب ، بل ضرورة سياسية. فالدولة التي لا تستثمر في الثقافة، تترك فراغًا تملؤه سرديات العنف. أما الدولة التي ترى في الفن شريكًا، فهي تؤسس لسلام مستدام، لأن السلام، في جوهره، فعل تخييل جماعي لمستقبل مشترك بجانب مشروع وطني يجتمع حوله الناس.
عيدابي يؤكد أن المسرحيين والمثقفين اليوم أمام واجب مزدوج: الإبداع والتفاعل المباشر مع المجتمعات المحلية، تحويل التحديات إلى فرص، وإطلاق خطاب مسرحي يعالج القضايا البيئية والاجتماعية والسياسية، ويغرس قيم التسامح والسلام، ويعيد الناس إلى فضاء الحياة الطبيعية.
يوسف عيدابي، بتجربته الممتدة بين الخرطوم والشارقة، بين التنظير والممارسة، يقدّم نموذجًا للمثقف المؤسسة ، الذي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يقترح أفقًا للخروج منها. رسالته للمسرحيين – ” واصلوا الإبداع، لأن الإبداع هو القارب إلى النور” – ليست دعوة رومانسية، بل بيان سياسي ناعم، يُذكّر بأن الثقافة ليست هامشًا، بل قلب المعركة على معنى الوطن.
في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة، يمكن أن تصبح خشبة المسرح والثقافة والفنون وسيلة أساسية للحد من النزاعات، وتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، وخلق مساحة آمنة للحوار والمصالحات الإجتماعية ، بعيدًا عن الصراعات . المسرح هنا ليس مجرد خشبة عرض، بل مشروع دولة، ومنبر لإعادة الأمل، وصياغة مستقبل السودان بعد الخراب، حيث يلتقي الجمال المؤجَّل بالحاجة الملحة لإعادة الحياة والمجتمع.
وهكذا، بحسب#وجه_الحقيقة في مسرح ما بعد الحرب، لا تُعاد كتابة النصوص فحسب، بل يُعاد تخيّل السودان نفسه: وطنًا يتسع لتعدده، ويصالح ذاكرته، ويمنح أبناءه خشبة يقفون عليها معًا، لا متقابلين في ساحات القتال، بل متحاورين في فضاء الإنسانية والقيم التي تحكم البلاد.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية
الخميس 12 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com






