
نشرت الصحفية السودانية, المعروفة سهير عبد الرحيم, صورة على حسابها عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك, ظهرت من خلالها وهي في الحدود السودانية, الأثيوبية.
وبحسب رصد ومتابعة محرر موقع النيلين, فقد كتبت سهير, مقال على الصورة التي يعود تاريخها للعام 2023 قالت فيه: تناولتُ وجبة إفطاري الرمضاني يوم الجمعة 9 رمضان داخل معسكر قوات الشعب المسلحة بمنطقة القريشة، على تخوم الحدود مع دولة إثيوبيا.
وصلتُ ورفاقي إلى ساحة الحامية نهاراً، تجولنا داخل المعسكر، بين الدبابات و المدافع والخنادق وسلاسل الرصاص المعقود على ألوية الحسم.
الوجوه الصارمة، و القاشات المكروبة، و الأيادي المعروقة، و هيبة الكاكي، تخبرك أن هؤلاء هم الرجال. دخلتُ الخندق معهم، و شمس أبريل الحارقة تصقل بشرتهم الأبنوسية خشونةً و قوةً.
هممتُ بالصعود إلى جوارهم في “التاتشرات”، أختل توازني للحظة، فوجدتُ عشرات الأيادي تمتد سنداً و متّكأً و رفقاً؛ لا يسقط أحد هناك، فتلك بقعة الرفعة والتماسك والصمود.
اجتهدتُ لاحقاً في محاولات فاشلة ل(عواسة ) عصيدة الدخن المُرّ، طعام الجنود، التي يصعب الإمساك ب (مفراكتها ) ناهيك عن تذوقها.
جنودنا في الحدود يأكلونها ولسان حالهم يقول:” اسقنٍي بالعز طعم الحنظل” …ألا لعنة الله على مندي و مظبي و برياني السفارات.
عزيزي القارئ، جنودك في الفشقة شُعثٌ غُبرٌ، تاهت من وجوههم علامات الراحة، و خطّت القفار والشمس والحشائش اليابسة ملامحهم. لا يعرفون ماذا تعني كلمة سرير ووسادة وغطاء، كما لا يعرفون معنى جهاز تكييف الهواء.
ينامون بنصف عين؛ فالعينين إحداهما مفتوحة ونصف الأخرى على الزناد، يتوسدون صفقّ الأشجار، و يستلقي جسدهم بجانب الأشواك، و أفلام بوليوود وهولييود التي يتابعونها ليست سوى لسعات كل أنواع الحشرات الزاحفة و الطائرة.
ولا بأس إن قام أحدهم للوضوء أن يُبعد ثعباناً كان مختبئاً داخل بوته، أو يهشّ على عقرب كانت تقبع أسفل برميل صفيح يشرب منه هو والصدأ معاً، ولا عزاء للمياه المعدنية و”صافية” وأخواتها في ورش ( اليونتامس ).
أكرموا مقدمنا بشراء مياه صحيةٍ لنا؛ فمعدتنا و جهاز مناعتنا تعوّدا على التنقية والفلترة في خرطوم البؤس و الزيف والعار، أما معدتهم فلسان حالها يقول: نشرب أن وردنا الماء صفواً، و يشرب غيرنا كدراً و طيناً.
جنودنا هناك يبدأون يومهم بتمارين القوة والجسارة، و يعقدون على نواصي قلوبهم وصيتهم لإخوانهم و أبناءهم؛ فالموت هناك ضيفٌ أصيل وثقيل، يتكئ على الجانب الآخر من الحدود، يشرع بندقيته تجاه صدور جنودنا ،فلا يفرّون ولا يولّون الدبر، ولا يعرفون غير الإقدام مطمحاً و عقيدة ً، فيتثاءب الموت أمام صمود الرجال.
رجال الفشقة يؤمنون بأن توضيب البندقية، و نظافة الدبابة، وحشو الرصاص، بمثابة قهوتهم في مطعم “أوزون” الخرطوم.
يرصّون مدافعهم في الخنادق، بينما يتسكع آخرون في شارع النيل، و يتأكدون من حزم قاشاتهم، بينما يتخلى عنها آخرون في مزادات السفارات.
يغسلون وجوههم من ترعة، فتزيل المياه نصف التراب عن وجوههم، و يتركون الباقي لتمويه رصاص الأعداء، بينما يستلقي ( سكير ) في (جاكوزي ) كورنثيا، و هو يطالب بإعادة هيكلة هذا الجندي.
طعامهم بليلة و عدس، ولا يعرفون السوشي ولا الاستيك بالفطر ولا شوربة المشروم. يعلمون أن السَلطة هي البصل، ولا عزاء لشيفات روتانا الذين يجتهدون في وضع ستة عشر نوعاً من السلطات في بوفيه الفندق.
يقيمون صلاتهم بتكبيرة الخشوع، و يركعون حمداً لله على نعمة أنهم رجال، و يسجدون وجباههم تناطح عنان السماء فخراً و عزاً بحمايتهم للحدود و الوطن والعرض.
الرجال في الفشقة، وليس الذين يصفقون لفولكر
الرجال في الفشقة، وليس الذين يستدعون البعثة الأممية لتمكنهم من الكراسي.
الرجال في الفشقة، وليس الذين يقيمون و يتقيؤون كرامتهم في منزل السفير السعودي.
الرجال في الفشقة، وليس الذين يفطرون رمضان في شارع ( زيرو ) مع السفير الأمريكي.
الرجال في الفشقة، وليس الذين يشربون الخمر ليلة السبت مع السفير البريطاني.
الرجال في الفشقة، وليس الذين يرقصون على إيقاع “واحدة ونص” في القنصلية المصرية.
*خارج السور:*
في الفشقة نمنا مطمئنين أن أسوداً تحرسنا، رغم وجود عصابات الشّفته الإثيوبية على الجانب الآخر. أما في الخرطوم فننام على القلق، رغم أن منازلنا تبعد بضع كيلومترات عن القصر الجمهوري…!!
الأمان ليس في الموقع الجغرافي لك،
ولكن فيمْن يحرسك ….!!!
كُتب عند زيارتي للجيش في الفشقة يوم 9رمضان، قبل اندلاع الحرب بخمسة عشر يوماً، الموافق 5 أبريل 2023.
محمد عثمان _ النيلين






