رأي ومقالات

مشروع الكرامة الوطنية .. جيش واحد وحقوق مكفولة

استمعت بالأمس إلى كلمة سعادة الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام لـ القوات المسلحة السودانية، والتي ركّز فيها على إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والانتقال إلى جيش وطني موحد، مع تفعيل برامج الدمج والتسريح وفق معايير عسكرية صارمة.

وأكد سعادة الفريق على أن تكون القوات المسلحة وطنية بحق، متساوية في الحقوق والواجبات، بلا مكان للجهوية أو العنصرية، وملتزمة بحماية المواطنين والحفاظ على كرامتهم وممتلكاتهم، لأن ذلك واجب مقدس لا غنى عنه.

تكتسب كلماته أهمية خاصة إذا تذكرنا ما عانى منه الشعب السوداني خلال الحرب من انتهاكات وإذلال على يد مليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية، وما ترتب على ذلك من شروخ عميقة. إن حديث الفريق يضع كرامة الإنسان وحماية المواطنين في قلب مهمة المؤسسة الوطنية، ويؤكد أن الدولة لا تقوم على سلطة فحسب، بل على احترام حقوق المواطنين وحمايتها.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الدولة لا يمكن أن تستقر إذا كانت هناك أكثر من قوة مسلحة خارج الإطار الوطني الجامع. فالجيش الوطني الواحد لم يعد شعارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة. كما كشفت السنوات الماضية ضعف بعض مؤسسات الدولة، مما يبيّن أن الإدارة لا تقوم بالأفراد مهما كانت قدراتهم، بل بالمؤسسات الراسخة. وعندما تضعف المؤسسات، يصبح أي خلاف سياسي مرشحًا للتحول إلى أزمة وطنية.

في أوقات الأزمات، تظهر الحاجة الحقيقية إلى مؤسسات أمنية مهنية، وعلى رأسها قوات الشرطة و جهاز المخابرات العامة، فهي تمثل منظومة متكاملة لحماية الدولة والمجتمع، ولها دور مباشر في حماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وضمان استمرار الحياة العامة حتى في أصعب الظروف.

ولابد أن تعمل هذه المؤسسات على تعزيز قيم الحرية المنضبطة وحقوق الإنسان وفق القوانين المحلية والدولية، ومراعاة التنوع الإثني والعرقي والثقافي. هذه القيم يجب أن تُستحضَر في كل عمل شرطي أو أمني، وتقع مسؤولية الالتزام بها على عاتق القادة لتتجذر لاحقًا في سلوك كل عنصر، بما يضمن حماية الدولة دون المساس بكرامة المواطنين.

الحرب كشفت حقائق كثيرة، وتركّز حديث الفريق على تعدد الجيوش ووحدة المؤسسة الوطنية وواجبها في حماية المواطنين. إن الأمم التي تحسن قراءة تجاربها تستطيع إعادة بناء نفسها على أسس صلبة، مع ضمان كرامة كل مواطن.

السودان اليوم بحاجة إلى مشروع قومي للكرامة والانتماء الوطني، مشروع يتجاوز الشعارات إلى الفعل المؤسسي، يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الاحترام المتبادل، والعدالة، والشفافية.

فالجرح الأعمق هو جرح الكرامة الوطنية، وما لم تُرمَّم كرامة الإنسان، لا يمكن استعادة السيادة، ولا إعادة إعمار السودان.

ونختم بالقول:

“لا تُبنى الأوطان بالحجارة قبل أن تُرمَّم كرامة الإنسان، ولا تُستعاد السيادة ما لم يُستعاد الإحساس بالانتماء. فمشروع الكرامة الوطنية هو البداية الحقيقية لإعادة بناء السودان، دولةً لا يُخشى سلطانها إلا من خالف القانون، ولا يُهان فيها مواطن تحت أي راية.”

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان