مضيق هرمز بين روايتين.. من يملك مفاتيح الممر؟

من يسيطر فعليًا على مضيق هرمز؟ عاد هذا السؤال إلى الواجهة مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فى ظل تبادل التصريحات بشأن مستقبل الملاحة فى أحد أهم الممرات البحرية فى العالم.
وفى الوقت الذى تؤكد فيه واشنطن امتلاكها القدرة على فرض حصار بحرى على إيران والاستمرار فيه إلى أجل غير مسمى، تصر طهران على أن المضيق يقع تحت سيطرتها وإدارتها، وأن عبور السفن يخضع لموافقتها.
ولكن حركة الملاحة ترسم صورة أكثر تعقيدًا من تصريحات الطرفين، فالمضيق لم يتوقف عن استقبال السفن بالكامل، لكنه يشهد تراجعًا حادًا فى حركة العبور مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ووفق أحدث بيانات تتبع السفن، بلغ عدد السفن التى عبرت المضيق 9 سفن يوم الخميس الماضى، مقابل متوسط يومى بلغ نحو 12 سفينة خلال أغسطس، فيما كانت الحركة قبل الحرب تتراوح بين 130 و140 سفينة يوميًا.
إيران: المضيق تحت سيطرتنا
تؤكد طهران أن لديها القدرة الفعلية على التحكم فى حركة السفن داخل مضيق هرمز، إذ قال قائد قوات الباسيج الإيرانية، حسين طائب، إن المضيق يقع تحت إدارة وسيطرة إيران، معتبرًا أن محاولات الولايات المتحدة الضغط على طهران لم تنجح فى تغيير الواقع، حسبما نقلت وكالة فارس.
كما نقلت تقارير عن مسؤولين إيرانيين تأكيدهم أن عبور السفن لا يمكن أن يتم بصورة طبيعية من دون مراعاة القيود التى تفرضها طهران.
وتذهب الرواية الإيرانية إلى أن المضيق سيظل مغلقًا أو مقيدًا إلى أن تستجيب الولايات المتحدة لشروط طهران، التى تشمل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بالاتفاق المؤقت، وفقًا لـ«هيئة إدارة مضيق هرمز الإيرانية».
وفى هذا السياق، قال قائد البحرية فى الحرس الثورى الإيرانى إن السيطرة الإيرانية على حركة الملاحة فى المضيق «كاملة وحاسمة»، مؤكدًا أن تقييم الوضع يجب أن يستند إلى ما يحدث فعليًا فى البحر، وليس إلى التصريحات السياسية.
واشنطن: لدينا القدرة على فرض الحصار
فى المقابل، تقول الولايات المتحدة إن لديها القدرة العسكرية على مواصلة الحصار البحرى المفروض على الموانئ الإيرانية لفترة غير محددة، وفقًا لـ«وكالة بلومبيرج».
وأكد وزير الدفاع الأمريكى، بيت هيغسيث، أن البحرية الأمريكية تستطيع الحفاظ على وجودها فى المنطقة من خلال تدوير السفن والقوات، بما يسمح باستمرار العمليات البحرية على المدى الطويل.
وتقول واشنطن إن الحصار يستهدف الموانئ الإيرانية، وليس منع السفن المتجهة إلى الموانئ غير الإيرانية من استخدام المضيق.
كما يواصل الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، التأكيد على أن الولايات المتحدة تملك سيطرة كاملة على مضيق هرمز، فى حين ترفض طهران هذا الطرح وتؤكد أن الواقع الميدانى يثبت نفوذها على حركة الملاحة.
ماذا تقول حركة السفن في مضيق هرمز؟
أرقام الملاحة ربما تكون أكثر دلالة من التصريحات المتبادلة بين الطرفين، فقبل اندلاع الحرب فى 28 فبراير 2026، كانت حركة السفن عبر مضيق هرمز تصل إلى نحو 130 أو 140 سفينة يوميًا، أما بعد اندلاع الصراع، فقد انهارت حركة العبور إلى مستويات متدنية للغاية.وأظهرت بيانات شركة «كبلر» عبور 5 سفن للمضيق فى أحد أيام الأسبوع، قبل أن يرتفع العدد إلى 9 سفن يوم الخميس الماضى، وهو رقم لا يزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب ومتوسط أغسطس البالغ نحو 12 سفينة يوميًا، كما أن معظم السفن التى عبرت استخدمت المسار المرتبط بالجانب الإيرانى.وتشير هذه الأرقام إلى أن الملاحة لم تتوقف بصورة مطلقة، لكنها أيضًا لم تعد إلى وضعها الطبيعى.
لماذا تتمسك إيران بالمضيق؟
يمثل مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة إلى إيران، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافى، وإنما أيضًا بسبب تأثيره المباشر فى حركة تجارة الطاقة العالمية.
وتستفيد طهران من قدرتها على تهديد حركة السفن ورفع مستوى المخاطر أمام شركات الشحن والتأمين، ما يجعل كثيرًا من السفن تتردد فى استخدام الممر حتى عندما يكون العبور ممكنًا من الناحية العسكرية.
كما تربط إيران إعادة فتح المضيق أو عودة الملاحة إلى مستويات طبيعية بتنفيذ مطالبها السياسية والاقتصادية.
هل تملك أمريكا السيطرة على مضيق هرمز؟
تملك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا كبيرًا وقدرة على إبقاء قوات بحرية فى المنطقة لفترات طويلة، وهو ما يمنحها قدرة على الضغط وحماية بعض خطوط الملاحة، ولكن هذه القدرة لا تعنى بالضرورة أن واشنطن تملك سيطرة كاملة على حركة السفن.
وحتى مع الوجود العسكرى الأمريكى، لا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، فيما تواصل إيران التأثير فى قرارات شركات الشحن من خلال التهديدات والمخاطر المرتبطة بالعبور، وتُظهر بيانات تتبع السفن أن عددًا محدودًا فقط يمر عبر المضيق فى الوقت الحالى.
من يملك مفاتيح هرمز؟
تكشف الوقائع أن عبارة «السيطرة الكاملة» التى يرددها الطرفان لا تعكس الصورة كاملة، فإيران تملك قدرة واضحة على تعطيل الملاحة وفرض مخاطر على السفن، بينما تملك الولايات المتحدة قوة عسكرية وقدرة على فرض ضغط بحرى طويل الأمد.
أما حركة السفن، فتشير إلى واقع ثالث: المضيق ليس مغلقًا بصورة مطلقة، لكنه بعيد جدًا عن العمل بصورة طبيعية، وبالتالى، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يسيطر على المضيق عسكريًا، بل بمن يملك القدرة على تحديد من يستطيع العبور، وبأى شروط، وبتكلفة ومخاطر تفرض نفسها على حركة التجارة العالمية.
وفى ظل استمرار التصعيد، تبدو أرقام الملاحة أكثر تعبيرًا عن ميزان القوى فى هرمز من التصريحات السياسية المتبادلة بين واشنطن وطهران.
المصري اليوم






