شوقي إبراهيم عثمان

المطلوب بروسترويكا صحفية من دكتور نافع علي نافع…!!

المطلوب بروسترويكا صحفية من دكتور نافع علي نافع…!!
لماذا لا ننشيء مدرسة لطفي الإقتصادية
1-2
جل السودانيين في الإغتراب، خاصة في الدول الأوروبية أو الأمريكية، إن كتبوا فكريا مهما كتبوا فلن يفلتوا من قبضة الكتابة الفكرية المتعالية على الواقع السوداني، فالبعد الجغرافي يحرم المغترب من التجربة الحقيقية اللصيقة بالتفاصيل. وهذا شيء محبط، فلماذا نكتب أصلا؟ أليس لسبر أغوار تفاصيل الواقع السوداني والتنبؤ بما قد يكون من منظور تحليلي وإستقرائي والقدرة على تجريده أدبيا؟
وإذا أخذنا الكتابة السياسية في الإعتبار يكون الإحباط أكبر، فالسياسة ودهاليسها تتطلب تجربة أكثر إلتصاقا بتفاصيل الواقع السياسي السوداني، لأن السياسة بها المعلن والمبطن – أي ما هو مخبأ تحت الطاولة وما هو فوق الطاولة. ولفظتا أكثر إلتصاقا نعني بها يالوجوب الفرضي أن يكون الكاتب المحترف متواجدا في السودان لفهم التفاصيل، وإلا كانت كتاباته إما إنطباعية أو متعالية على تفاصيل الواقع السوداني. ولشخصي الضعيف تجربة حقيقية. كتبت مقالة لصحيفة أجراس الحرية من ألمانيا بعنوان: من هو الذي يرغب في فصل الجنوب؟ وقد نشرها مرتضى الغالي مشكورا أو نشر خمسها لا أدري. وحملت فيها باقان أموم والطيب مصطفى المسؤلية في صنع العدائيات عبر التهييج الإعلامي، فأتهمني الكاتب والصحفي خالد فضل بأنني أكتب من منظور توفيقي لأنني في تقديره ساويت ما بين الرجلين، وفي نظره هذا الأسلوب موضة. حيثيات هذه التهمة مرجعها البعد الجغرافي لا غير. بيد أنني قرأت للأستاذ خالد فضل عبر الأنترنيت كثيرا، فلم أجد لديه مع الأسف التحليل السياسي الذي يفسر للمقيم ناهيك عن المغترب تفاصيل التفاصيل، ومقالاته هي شبه منشور صدامي تحريضي لا تشبع ولا تغني من جوع. فالتغيير، أو ثورة التغيير تبدأ عبر فهم تفاصيل الواقع موضوعيا، وليس عبر تهييج الغرائز. ولأن باقان أموم يمثل له شيئا كبيرا ولأنه لا يرى سوى بنظارة باقان أموم، أهمل خالد فضل قيمة مقالتي السياسية والفكرية والتحليلية.
أثناء كتابتي هذه المقالة أخذت أفتش وكعادتي في تغليب الدقة عن مفردات الصحفي خالد فضل الإنتقادية لشخصي في الأنترنيت، وإذا بي لحسن الحظ أصطدم بخيط في سودانيز أونلاين بتاريخ 2009م بعنوان: الشيخ لطفي رمز الوحدة الجاذبة!! أفرده حفيد الشيخ لطفي أي لطفي علي لطفي عن تاريخ العائلة الكريمة الخ. فرحت وحزنت في نفس الوقت!! كيف لم أعرف بهذا الخيط في وقته؟ وكيف لم يتم الإتصال بي على الأيميل ونفس مقالتي: من الذي يرغب في فصل الجنوب.. تزين صدر الخيط وبها عنواني!! وأنا من المهتمين بظاهرة عائلة لطفي. عموما، هذا الخيط كان ممتازا ووفر لي الكثير من المعلومات حتى بعض الصور، وفيه بعض المقالات الجميلة لأتيم سايمون، تينق ماجط، وسبت مقوك. وفورا وضعت الخيط في صورة PDF format، لتسهيل إرساله لمن يحب.
مع الأسف من هذا الخيط الجميل: الشيخ لطفي رمز الوحدة الجاذبة، لا يستطيع المرء الحصول على أيميل الحفيد لطفي علي لطفي..ولا يوجد أيميل في البروفايل الخاص به، وفتشت لعلي أجد مقالة وليس خيطا به عنوانه فأصطدمت بخيط آخر للحفيد لطفي على لطفي، يتصدره بوست للأستاذ عثمان ميرغني عن ديموقراطية إسرائيل!! يظهر أن الأستاذ لطفي علي لطفي صار مدمنا على صحيفة سودانيزأولاين وهي فعلا ساحة حرية حقيقية، ولكنني حزنت لإختياره هذا البوست. وتفسيره، بالرجوع إلى مقدمة هذه المقالة التي تركز على أهمية الإلتصاق بتفاصيل الواقع السوداني ومساوئ الغربة، نضيف شيئا آخر، ليس فقط الإلتصاق بتفاصيل الواقع السوداني من الأهمية لتعميق فهم الكاتب أو المحلل، بل يجب أن يكون هذا الفهم أيضا بكفاءة!! فمن أين يدري الحقيد لطفي علي لطفي أن عثمان ميرغني حين يغمز بقناة الحريات الإسرائلية قصد منه الضغط على د. نافع علي نافع لصالح ورق المهندس صلاح عبد الله قوش ونائب رئيس الجمهورية؟ هذا صحيح تماما، وهذا بعض ما أكتشفته بعد وفاة زوجتي الألمانية بمكوثي في الخرطوم سنة كاملة من أجل فهم كل شيء بكفاءة.
هنالك ثلاثة صحف تلعب لعبة مراكز القوة لصالح قوش والشيخ علي عثمان: التيار، الوفاق والوطن. أضف إلى ذلك، أن معظم ما يكتبه عثمان ميرغني في عموده يدخل في حكم القيمة a value judgment، وبالمثل كل ما يقوله نائب رئيس الجمهورية في خطبه القصيرة والطويلة يعد أيضا من مضمار حكم القيمة.
As a generalization, a value judgment can refer to a judgment based upon a particular set of values or on a particular value system .

حكم القيمة يعتمد على الرؤية الشخصية وليست الموضوعية العلمية المبنية على جمع المعطيات، واللجؤ إلى أسلوب حكم القيمة مرده نقص المعلومات أو الهروب من المعلومات الحقيقية في اللعبة السياسية، لإتخاذ قرار سريع يتضمن مجموعة أو نظام من القيم التي يجب أو ينبغي أن تنفذ. فمثلا لو فتح موضوع قذارة الخرطوم فبدلا من فتح الملفات الحقيقية عبر مراجع قانوني في المحاسبة والمضي قانونيا وقضائيا قدما لكشف أين تتبخر الرسوم المالية للنفايات، وإحصائيا مقابل كم من سكان الخرطوم يخصص له عربة نفايات الخ، بدلا من كل ذلك، يلجأ الصحفي أو السياسي المراوغ إلى أسلوب حكم القيمة بفرد قيمة الصحة أو مجموعة من القيم set of values أو منظومة القيم value system التي تتعلق بالنظافة التي من أجلها ينبغي وينبغي وينبغي فعل كذا وكذا وكذا لأهميتها لصحة الإنسان والبيئة الخ كلام إنشائي جميل أليس كذلك؟! الطريف أن مستخدميها لا يعرفون أن أقوالهم هي حكم قيمة قد يرونها نصائح جيدة لأولي الأمر. ولذلك تضايق الطيب مصطفى من عثمان ميرغني ووصفه بالأستاذية المذمومة!!
من غرائب الصدف، أن للصحفي المخضرم الأستاذ عثمان ميرغني قصة معي سنسردها لاحقا في الحلقة الثانية.
عموما، الصحفيون لهم نظرة سبقية لكتاب الرأي، يدركون بحاستهم السادسة هل موسيقى هذا الكاتب تتناغم مع لحن الصحيفة أم لا. فمثلا نور الدين مدني لا يمكن أن ينشر لي، ليس لطبيعة أفكار مقالاتي التحليلية فحسب، بل لشيء آخر لم أفهمه مبكرا!! قال لي مرة قبل سبعة سنوات في جلسة خاصة رمتني لها الصدفة معتزا بموقفه: أنا ما نشرت ليك، ناس كمال حسن بخيت هم اللي نشروا ليك!! كأن مقالاتي ليست ذات قيمة. ولم أفهم عبارته لحظتها أو وقتها في العمق. اليوم أفهم عبارته، وشكرا للسنة التي قضيتها في الخرطوم.
بشكل مدهش لم يكن يخطر على بالي من قبل أن الصحفيين أصحاب الأسماء الإقطاعية الكبيرة هم في نفس الوقت أصحاب أسهم مالية في الصحيفة التي يعملون فيها – أي إنهم من ملاك الصحيفة جزئيا. هذه الظاهرة إمتلاك بضعة اسهم في الصحيفة، مردها أن الصحفي لا يضمن وظيفته كموظف صحفي براتب في أية صحيفة، خاصة إذا لم يكن موهوبا، فماذا يفعل؟ يضرب مسمار إستثماري في الصحيفة. وإذا خرج منها لسبب ما مثل إختلاف أو تناقض المصلحة أو موت الصحيفة يخرج بمسماره مثل جحا ومسماره، ويدق مسماره في صحيفة أخرى جديدة.
هذه الظاهرة الصحفية تفسر موقف نور الدين مدني من شخصي ومقالاتي، ولا شك أنه أبدا أحد المساهمين في الصحيفة التي يعمل بها. فكم ومن هم الصحفيون المستثمرون في صحفهم؟ هل يستطيع القارئ الكريم أن يستنتج؟
مع الأسف، القضية الأساسية بالنسبة للصحفي المساهم ماليا في صحيفته ليست العمل الصحفي المحترف، ولن يكون همه البحث عن المقالة الجيدة التي قد تضيف إضافة أو بعدا فكريا أو سياسيا أو دينيا للشعب أو للقارئ السوداني، بل همه يتركز في الحرص على تنمية إستثماره الصغير. فإستثماره الصغير هو الأهم لديه، حيث تجلب أسهمه ريعا طيبا وفي نفس الوقت يضمن لنفسه وظيفة ثابتة مرتبها عالي ومعلوم مسبقا في عقد الشراكة بينما الصحفيون الصغار غير أصحاب الأسهم، هم الخدم يعملون ليل نهار، وعليهم أكل ما تبقى من طعام أو فتافيت على المائدة بعد إنتهاء أصحاب المنزل من تناول الوليمة الدسمة.
ظاهرة الصحفي المساهم سيئة جدا. الصحفي المساهم فضلا عما ذكرته أعلاه له طموحات وقدرات أخرى.
يتطلع أولا ودوما إلى العلاقات العامة المفيدة بمعنى الكلمة، إذا رأى فائدة في شخص ما…ينشر له حتى ولو كان هذا الشخص هبنقة، أو قد يركع مسؤول إداري بمقالة خطرة في يده معدة للنشر فيتصل به بدعوى لعب دور القاضي العادل المتقصي ما بينه وما بين صاحب المقالة، فيصبح المسؤول المستهدف من المقالة مثل الآيس كريم مع الإعتذار لكمال عمر الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي للإستلاف. وبفضل لعبة القاضي والعدالة فالمسؤول الآيس كريم على إستعداد لتقديم أية خدمات تطلب منه، وستنهمر الإعلانات للصحيفة من مؤسسة المسؤول الآيس كريم، وربما قد تصبح العلاقة أكثر حميمية فتعمل الصحيفة للمسؤول المزنوق من الأمن الإقتصادي مثلا إعلانا مدفوع الثمن على شكل حوار صحفي حر يحلق به حتى سنغافورة لتلميعه وللتشويش على رئاسة الجمهورية. كل هذه اللعب النظيف على الكرة لا على الأرجل يزيد من دخل الصحيفة ومن جيوب الصحفيين المساهمين ماليا.
أما قدرات هذا الصحفي المساهم هي في مقدوره أن يفرمل مقالة أو يمنع كاتب رأي ممتاز من الكتابة في الصحيفة لأي سبب من الأسباب يراها، لأن الصحفي المساهم في يده أيضا فيتو مقنن في عقد الشراكة الصحفية. هذا الفيتو أيضا يزيد الطين بلة أي يزيد حال الصحافة السودانية سوءا، فإذا كنت شخصا نكرة في بداية طريقك ولكنك موهوب بدرحة إمتياز مثلا – بمنطق البزنز لماذا ينشر لك هذا الصحفي المساهم أو ذاك؟ حتى لو كنت صحفيا مبتدئا ومبدعا لماذا يوظفك في صحيفته أو ينشر لك إذا لم تروق لهم بشكل ما؟ يحدث ذلك لأن المعيار القيمي للصحافة السودانية لا يمت للعمل الصحفي المحترف. لذا أسقط الصحفي نور الدين مدني تجربته الصحفية الخاصة على شخصي عندما أرجع الفضل لكمال حسن بخيت كي ترى مقالاتي النور في صحيفة الأضواء وفي إعتقاده نشرت ليس لقيمتها الفكرية والسياسية وإنما لشئ آخر!!
ولنرسم موديلا صحفيا إفتراضيا مثلا خذ صحيفة السوداني الكل يعرف أن جمال الوالي أشتراها كعضلة مالية، ولكن لا يعرف الكل أن هنالك صحفيين مساهمين أيضا، فإذا أفترضنا لجمال الوالي 55% من الأسهم، و 15% لمساهم من رجال الأعمل غير صحفي، ربما هنالك ثلاثة صحفيين مساهمين لكل منهم 10%. في هذه الوضعية يمكننا تخيل طبيعة العقد المفصل المعقد الذي قد ينشأ والمناقشات الماراثونية التي تتم قبل التوقيع على هٍذه الشراكة. القضية الشائكة للشركاء إضافة للخوف من ضياع رأس المال المستثمر هي أيضا تحديد سياسة الصحيفة، وميلها السياسي، ومن من الصحفيين الصغار أو الكبار مبتدئين أم قدامى يعمل معهم بشكل راتب، ومن هم كتاب الرأي الخ. هذه الإشكالية تفترض أن يكون لأصحاب ال 10% فيتو متساوي في الشأن الصحفي، بينما للمساهمين أصحاب المال من أجل المال فيتو آخر يتعلق بدخل الصحيفة إلا إذا كان لديهم شروطا صحفية سابقة التوقيع على العقد.
لذا قبل أن يكتب المثقف أو الكاتب الحقيقي الجاد، أو قبل أن يكتب الصحفي المحترف أو يبحث عن وظيفة في صحيفة ما، عليه أن يسأل مسبقا عن بعض التفاصيل أولا من هم ملاك الصحيفة من الصحفيين المساهمين أو غير الصحفيين. هذه المعلومة المهمة من المفترض أن تبينها أية صحيفة محترفة تحترم الجمهور بشكل طوعي، ولعل المجلس القومي للصحافة والأمين الجديد أن يفعل هذه النقطة بإجبار كافة الصحف السودانية نشر معلومة عن الملاك حماية للمستهلك أي القارئ السوداني. وإن لم يستجيب المجلس القومي للصحافة فعلى د. ياسر ميرغني الأمين العام لجمعية حماية المستهلك أن ينشط منظمته في هذا الإتجاه نحو الصحف وإنتهاءا بالمسجل التجاري العام الذي لديه كل هذه المعلومات. والهدف من ذلك أولا إنحراف الصحف السودانية عن العمل الصحفي الإحترافي وإبتعادها كثيرا عن وظائفها الأساسية، وثانيا من حق القارئ أن يجد مقابل الجنيه الذي يدفعه في الصحيفة عملا إحترافيا، وثالثا حتى لا ينخدع القارئ السوداني فكريا وسياسيا في صحافته وفي صحفيينه فهنالك العديد من الأسماء الصحفية الكبيرة ضعيفة المستوى تتصدر صفحات وأعمدة الصحف بشكل ثابت، ولا يدري الجمهور المسكين أنها أسماء مفروضة عليه لأنها مساهمة ماليا في الصحيفة. فالتصور المثالي عن الصحف أو الصحيفة لا يوجد في السودان، كأن تتملكها عضلة مالية واحدة أو أثنتين في الأكثر بينما كل كل الكادر الصحفي برمته يعمل بالوظيفة الراتبة عملا صحفيا محترفا. عندما يصبح بعض الصحفيين أنفسهم ملاكا للصحيفة سينشأ بالضرورة تناقض مصالح conflict of interest ما بين الملاك الصحفيين وتطلعات الشعب السوداني. عموما، حال الصحافة السودانية هو إفراز للحال السياسي والاقتصادي والثقافي السائد في السودان فإذا كان هنالك فساد شامل في السودان فلماذا يعتقد البعض أن الصحافة ليست فاسدة؟
وإذا أعتبرنا كاتب الرأي في الصحف مثقفا أو الصحفي المحترف مثقفا، علينا أن نسأل عن طبيعة هذا الكاتب المثقف أو الصحفي المثقف ودرجة إرتباط هذه الطبيعة بالسلطة القائمة. منذ ثلاثة سنوات تدور معركة كبيرة وطاحنة في العالم العربي حول مفهوم “مثقف السلطة” أو “االمثقف السلطوي” يقودها المفكر الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة. هذه المعركة للغرابة لم تصل للصحف السودانية قط!! أليس هذا غريبا؟ هذا الموقف البائن من الأطروحة له دلالته ومغزاه. أترجى كافة السودانيين المثقفين متابعة هذه المعركة الفكرية في الأنترنيت ونقلها للساحة السودانية.
فضلا عن وجود العديد من الكتاب والصحفيين الذين ينطبق عليهم مفهوم مثقفي السلطة أي يأكلون من كلأ السلطة (ملحوظة: ليس بالضرورة أن يكون مثقف السلطة عضوا في سجلات حزب المؤتمر الوطني مفهوم مثقف السلطة أعقد من هذا التبسيط)، هنالك أيضا ترهيب الصحفيين ولكتاب الرأي بقوانين تتعلق بحرية النشر تصل عقوبتها السجن أو الغرامة بخمسين مليونا من الجنيهات. لقد تم تجبينهم تماما!! أذكر أنني أتصلت بصحفي كبير بيني وبينه مودة خاصة تلفونيا وتحدثت معه في رغبتي فتح موضوع فساد في شركة ضخمة، قال لي مسارعا: بس أوع توديني السجن!! وقصد من ذلك لا مانع من فتحه ولكن ليس بالدرجة التي تؤدي به إلى الحبس – فرحمته. وعند هذه النقطة أخاطب الدكتور نافع علي نافع، الذي فتح باب محاربة الفساد بكل أنواعه على مصراعيه. إذا رغب الدكتور نافع علي نافع محاربة نهب المال العام والفساد المالي الذي ينخر في الدولة وفي المؤتمر الوطني، عليه أن يعمل بروسترويكا صحفية كيدا لبروسترويكا الصحفي المخضرم عثمان ميرغني. عليه أن يعكس قانون الصحافة والنشر. كيف؟
في بريطانيا قبل أن يكتب صحفي ما أن الوزير الفلاني أو مدير مجلس الإدارة الفلاني حرامي، عليه أولا أن يمتلك دليله أي البينة، وإلا كان مصيره السجن ودفع التعويض المالي الضخم بحسبان ما كتب إشانة سمعة. ويعزى السبب إلى أن الملكة فكتوريا ولورداتها كانوا هم اللصوص الحقيقيين، فالخطط الإستعمارية في الماضي وإلى اليوم يديرها قصر برمنجهام واللوردات ولكن اليوم تدار اللصوصية بأسلوب عقلاني عبر شركات السيكوريتي وبوسائل أخرى، لذا لابد من السرية وستر اللصوص. هذا النظام القانوني الصحفي في بريطانيا هو المطبق في السودان.
لكن في الولايات المتحدة الأمريكية يحدث العكس، إذا فاحت رائحة لصفقة معفنة ونبحت الصحافة الأمريكية، على الوزير أو المسؤول الكبير أو المدير الخ عليه أن يثبت براءته للشعب في مؤتمر صحفي. هنالك الكثير من أنواع الفساد البين الذي يصعب معه إيجاد قرينة كما وضح طبيعته الصحفي المخضرم حيدر المكاشفي، وإن لم يتقدم الوزير أو المدير في مؤتمر صحفي بإثبات براءته بالمستندات، ستستمر الصحافة في نباحها فيضطر المسؤول الكبير إما أن يثبت براءته بنفسه في مؤتمر صحفي أو يتقدم بإستقالته وفي الحالة الأخيرة أي تقديم الإستقالة تعني إنه حرامي وحتى إشعار آخر. وبعد الإستقالة..إذا ظهر دليل لاحقا سيحاكم بأثر رجعي ولا تعني الإستقالة سقوط التهمة ضده. الطريف معظم الصحف العربية تفتخر بالأمريكيين الذين يقدمون إستقالاتهم كمثال يحتذى به المساكين لا يدرون إن الإستقالة تعني أنه حرامي رغب أن يهرب بجلده!!
هذا المثال الأمريكي له في التاريخ الإسلامي أمثلة: أولها قصة عمر ابن الخطاب وأبي هريرة عامله في البحرين!! فحتى لو سرق أبو هريرة إفتراضا هذه الغنيمات أو الأبل أو الأموال فعلى الخليفة الثاني أن يأتي ببينة لأنه هو المدعي، وإلى اليوم لم نسمع أن أحدا من شيوخ الفقه طالب الخليفة عمر ابن الخطاب بأثر رجعي بينة لصالح المدعي عليه أبي هريرة. القصة الثانية أرض فدك وفاطمة الزهراء عليها السلام، أدعى الخليفتان أبو بكر وعمر أن أرض فدك لم يورثها النبي (ص) إياها، وطالباها بإثبات ذلك لقد عكسا الحالة، فالأرض أصلا في يدها طوال حياة النبي (ص) وهما المدعيان عليهما إتيان بينة لإدعائهما وليس هي عليها السلام هاتان القصتان نهديهما لهيئة علماء السودان التي جوزت الرشوة.. بدلا من إنتزاع بينة أو قرينة من أصحاب سودانير وشركائهم تثبت براءتهم من عدمها.
أنا مع القانون الأمريكي للصحافة! فخذ مثلا قصة صفقة سودانير فمنذ 2007م تنبح الصحافة السودانية في فساد الصفقة وهي فاسدة عن حق وتلوذ الشركة بالصمت أو تؤجر لها صحفي pre-paid يدافع عنها ومعذرة لعادل الباز للإستلاف، وقد تتحرك الشركة أحيانا في الزنقة زنقة عبر الإعلانات المدفوعة الثمن في صورة حوارات حرة، وكذلك تصمت رئاسة الجمهورية لأنها مشلولة بنقطتين: 1) بفقه المتهم بريء حتى تثبت إدانته، 2) وبفقه: علي المدعي البينة، وعلى المدعي عليه اليمين إذا أنكر (عليه القسم) في حالة النكران ولا بينة هنالك. الصحافة السودانية هي المدعي ليست لديها قرينة أو بينة ..أضعف الإيمان أن يقسم المدعي عليه الشريف أحمد عمر ود بدر والعبيد فضل المولى اليمين على المصحف بقوة قانون الشريعة الإسلامية. أو دعنا نتخيلهما على طريقة قانون الصحافة الأمريكي بعد تلبيسه لباس الشريعة الإسلامية يعملان مؤتمرا صحفيا والمصحف على الطاولة، ويحلفان على المصحف أمام الصحفيين أنهما لم يبيعا مثلا خط لندن وممتلكات سودانير في لندن!! وإن لم يفعلا فقد أدانا أنفسهم بأنفسهم فلم الإنتظار حتى تظهر بينة ضدهما؟ ألا يقول الشرع على المدعي عليه اليمين في حالة الإنكار أو عدم وجود بينة؟
الطريف في حكومة المؤتمر الوطني بدلا من أن تتحرك وزارة العدل ومعها المدعي العام مولانا عمر أحمد محمد أحمد لكشف صفقة قضية سودانير أي تتحرك السلطة التنفيذية، نجدهم يحركون السلطة التشريعية بلجنة رئيس هذه اللجنة بمعية سامية محمد أحمد يقرآن فايلات الشركات فايل فايل بحثا عن الشركات الفاسدة. بالطبع يقرأن إنشاء وقصص رومانسية ودرامية ربما كتبها مدير مجلس إدارة الشركة الفاسدة بنفسه يبرر الخسارة المالية لمؤسسته مثلا بسبب المجرم مجلس الأمن كما يصرح عادة العبيد فضل المولى!! في ألمانيا وأمريكا يحرك المدعي العام أسطولا من قوات الشرطة بسرية تامة وبشكل مفاجئ في خمسة ثواني يضع يده على الفايلات والحواسيب..للمؤسسة الفاسدة!!
ولندخل في السياسة قليلا!! بما أن لصوصنا من ذوي الجلد الثخين فضلا عن كونهم مدعومين من أعلى بشعار “النهب المصلح”، يصبح قانون الصحافة الأمريكي هو الأنجع للقضاء عليهم بالضربة القاضية، وإن لم يعمل د. نافع علي نافع البروسترويكا الصحفية بالإنحياز للقانون الأمريكي للصحافة كما أسلفنا أعلاه لكي تنسخ بروسترويكا الصحفي المخضرم عثمان ميرغني، سيضعف الدكتور نافع من خطه الإصلاحي وربما قد يخسر الكثير وقتا وجهدا وربما يخسر المعركة النهائية بالكامل.
المعركة السابقة التي خسر بسببها المهندس صلاح عبد الله قوش منصبين مهمين هي في الأصل معركة ما بين د. نافع ونائب رئيس الجمهورية علي عثمان. خط الدكتور نافع الإصلاحي هو مدعوم من رئيس الجمهورية ولنتذكر أن الرئيس البشير هو رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة. فما هي وظيفة نائبه؟ التحليل المتعمق يشير إلى أن وظيفته تشبه وظيفة رئيس الوزراء إلا قليلا، فالنائب يقوم برعاية العديد من الملفات وبشكل خاص ملفات الخصخصة، والإستثمارات المباشرة والشراكات الأجنبية الخ إلا قليلا تعني أن التوقيع أو التصديق النهائي لهذه الملفات لا يعتمد إلا بإمضاء رئيس الجمهورية، بالطبع بعد أن يدرس الفايل نائب رئيس الجمهورية ويكتب عليه أوكي!! ولنتذكر مبارك الفاضل المهدي حين كان مستشارا للرئيس، قال: البشير ما من النوع اللي بيكنكش في السلطة، بيعطي الزول اللي ماسك فايلات أو موضوع يتصرف فيه بكامل مسؤوليته وكان لدي العديد من الفايلات!! هذه الملاحظة تعني الكثير في التحليل السياسي. تعني أن كل ما يتعلق بالشركات هو فعلا مسؤولية نائب الرئيس علي عثمان محمد طه. إذن هنالك رئيس وزراء فعلي مختبئ خلف لافتة نائب الرئيس دون أن يلحظه أحد لفظتا نائب الرئيس هي في الذهن بطبيعتها محايدة وقد تكون سالبةpassive وقد توحي بشكل خاطئ كما لو أن الشيخ علي عثمان محمد طه لا يفعل شيئا وهذا أبعد ما يكون في الواقع الفعلي.
نائب الرئيس هو قانوني ويمتلك الحصافة والحذر المهني المكتسب، أو العرقي الوراثي، كأن لا تشوب سيرته الشخصية شائبة، وهو كذلك يده غير ملوثة بالمال العام، ولكن كل ذلك لن يجديه نفعا حين يكتشف المحللون أو اللصيقون به أنه يقف على حافة القانون. فمثلا لو رأيت لصا دخل بيت جارك خلسة ولم تطارده أو تبلغ عنه، هل يستطيع القانون أن يمسك بخناقك أو أن تقع تحت طائلة القانون؟ قطعا كلا. ولكن بالطبع مع نفسك بموقفك السلبي قد تكون أجرمت في حق جارك اخلاقيا. أو مثلا لو رأيت طفلا يغرق ولم تتحرك لإنقاذه…الخ هذا ما يسمى بحافة القانون.
لوبيات المؤتمر الوطني الإقتصادية الغارقة في الفساد وتتفنن في نهب المال العام تطبخ طبخاتها الإقتصادية “غميتي” كما يقول الدكتور عبد الرحيم حمدي. يصنعون دراسات جدوى إقتصادية بأسلوب فني جزافي تنتهي إلى جدوى إقتصادية متخيلة على حسب رغبتهم. وهي دراسات في غاية الإحترافية يترنح معها الرأس ويبتلعها أي رجل إقتصادي مهما كانت خبرته حتى لا يكشف جهله بالرطانة الاقتصادية. وبالطبع دراسات الجدوى الاقتصادية لا تكشف مفاصل الإلتواء والخديعة في مشروع ما – كل هذا يمر بقناة نائب الرئيس.
وبما أنه ليس إقتصاديا وإن أدعى إنه يفهم في الإقتصاد ينتهي المشروع عادة في يده إلى مباركة ولكن المهم لديه أن تكون مباركته هذه إعتمادا على ذمة ومسؤولية رفقاء الحزب الإسلاميين الذين يجب أن يؤكدوا له كتابة وبإمضائهم جدوى المشروع إقتصاديا. فنائب الرئيس إذن نظيف، ومرتب، وخالي المسؤلية القانونية بوقوفه على حافة القانون!! ومع ذلك في قرارة نفسه يعرف أن هذه اللوبيات الاقتصادية فاسدة وملتوية وإنها في حزبه، وإنها مسؤولة عما تفعل إذا جاء يوم الحساب – بالطبع الحساب القانوني وليس الإلهي!! وحقا، عندما يصبح الفساد طوفانا واللوبيات تحتكر إقطاعيات في لعبة إقتصادية يمارس فيها الضرب تحت الحزام ، فماذا يمكن أن يفعل نائب الرئيس ضد فساد هكذا حجمه؟ بحسبة سياسية أشبه باللغز (paradox) يكتشف نائب الرئيس مع نفسه أن هذا الفساد المالي قد يكون في صالحه سياسيا في المستقبل فالفساد في ظله وفي رعايته أولا وأخيرا، شاء أو أبى.
لنرى مثالا كيف مفاصل الإلتواء والخديعة لا تظهر عادة في دراسات الجدوى الاقتصادية بأخذنا صفقة سودانير عنوانا للفساد. الشركاء السودانيون والكويتيون يؤسسون مسبقا بنكا رأسماله مساويا بالتقريب لقيمة 70% من أصول سودانير ولا تسألونني من هو الذي قيم أصول سودانير أسألوا كمال عبد اللطيف. وعند حصولهم على مباركة نائب رئيس الجمهورية تم التوقيع على شراء الأسهم وعلى عقد الشراكة. عندها أصبح مجلس إدارة بنكهم هو نفسه مجلس إدارة سودانيرهم، فخرج شيك مدفوع من إدارة بنكهم إلى إدارة سودانيرهم لاحظ أن الإدارة في المؤسستين هي واحدة، ثم رجع نفس الشيك مرة أخرى من إدارة سودانيرهم إلى بنكهم لإيداعه في الحساب الجاري الذي فتحوه لسودانيرهم – طبعا فتحوه في بنكهم. بهذه اللعبة الذكية الماكرة، الدائن والمدين شخص واحد!! إذن كم دفع الشركاء من أجل الحصول على 70% من أسهم سودانيرهم؟ لا شيء.
هذه هي الصورة الإفتراضية التي تتعلق بشراكة سودانير، ولقد قمت بعمل دراسة كاملة عن هذه الموضوع بتركيب كل المعطيات فأتضحت الصورة الكلية التي رسمناها لكم أعلاه. هذه الدراسة لا تجرحنا قانونيا لأنها مبنية على معطيات قدمها الشركاء أنفسهم، فإذا كان لدى الشركاء ما يضحد هذه الصورة المركبة فليخرجونه للعلن، على سبيل المثال لا الحصر: كم دفعوا ومن أو ما هي الجهة التي دفعوا لها؟ وهل لديهم ما يثبت ذلك؟
بالرجوع قليلا إلى الوراء أي للمعارك السياسية، فالمهندس صلاح عبد الله قوش خسر كل مناصبه ما عدا مقعده في المجلس الوطني، بينما نائب رئيس الجمهورية لم يتبقى له سوى رئاسة الحركة الإسلامية التي فاز بها على غازي صلاح الدين العتباني يوم الجمعة 16 من أبريل 2004م بمؤتمر سوبا. لأنه أي علي عثمان محمد طه في أول تغيير رئاسي قادم لن يكون نائبا للرئيس الجديد، وربما أصبحت طموحاته السياسية عند رئاسة المجلس الوطني القادم إعتمادا على رئاسته الحالية للحركة الإسلامية. وسيكون هنالك رئيس جديد شاب طبقا لقول رئيس الجمهورية عمر البشير. إذن يمكن الإستنتاج أن الصراع الحالي الصامت، والذي سيأخذ مداه صعودا إلى أعلى بقوة، هو الصراع القادم على رئاسة الحركة الإسلامية وعلى من سيرثها في وجود غريمين آخرين الدكتور حسن الترابي والدكتور غازي، وطبعا إضاافة للدكتور نافع. كيف سيكون اللعب وبأية أوراق؟
غازي صلاح الدين العتباني حظوظه ضعيفة كأن يجلس على قمة النظام القادم أو بجوارها، لأنه لم يتبؤأ منصبا تنفيذيا كبيرا بحيث يصنع له أبناءا كغيره وهذا الطبع أي صناعة الأبناء ليس من طبيعته المفكرة. ومع ذلك أعطوه أعقد ملف لكي يحرقوه في نيران قضية دارفور!! كان من المفترض أن يمسك بطل نيفاشا للسلام علي عثمان ملف دارفور بعد وفاة المجذوب، ولكن هذا الفايل تم دحرجته لمنافسه على رئاسة الحركة الإسلامية غازي صلاح الدين العتباني!! غازي صلاح الدين العتباني قطعا هو خارج دائرة لعبة البزنز الإسلامية وتمثل هذي نقطة ضعفه بالحسابات القائمة، بينما أقوى كروته بلا شك دعم الأخوان المسلمين الكلاسيكيين له، إن لم يصبح هو القائد لها بدلا من الحبر لقيادة معالم طريق الإحياء الإٍسلامي.
الدكتور الترابي وحزبه أعلناها مسبقا لا دولة إسلامية ولا تطبيق للشريعة في المرحلة القادمة بل دولة مدنية. بل وقع المؤتمر الشعبي على مذكرة تفاهم مع أحزاب المعارضة على الدولة المدنية القادمة وقعها كمال عمر. الإجماع على شعار دولة مدنية أسقط من يد علي عثمان محمد طه كرت المزايدة الأخير، لذا فرهانه الأخير على بقائه في الساحة السياسية يعتمد على قوة رفع الشعار: دستور إسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية، من عدم قوته!! الطريف لا نجد غير الأستاذ علي عثمان يطالب بدستور إسلامي وتطبيق الشريعة!! لذا علي عثمان من وقت لآخر يطلق حمما ناعمة حول الدستور الإسلامي وتطبيق الشريعة ويلمح علي عثمان كذلك: يا ويله من يقف في وجه التوجه الإسلامي “للدولة”!! وليتذكر الجميع كيف طار حسب الرسول بذلة لسان لقد طيره علي عثمان ولم يفيده أنه يعمل تحت مستشارية صلاح قوش!! نفس نغمة الشريعة عزفها رجل سوداتيل مستر “إكسبريسو” الذي فضحه عادل الباز أصبح اللصوص وحدهم لا غيرهم يخادعون برفع شعار االشريعة والدستور الإسلامي!! ولنا مثلها في التاريخ خدعة رفع المصاحف على أسنة الرماح. وعليه إصطفاف لوبيات البزنز الإسلامية داخل الحركة التابعة للمؤتمر الوطني في صف علي عثمان هو أمر لا شك فيه، وهذا الإصطفاف يعطيه الكرت الأقوى ضد د. نافع في الإنتخابات القادمة لرئاسة الحركة الإسلامية. بينما الخط الخليجي من السلفيين بقيادة محمد عثمان صالح وعبد الحي يوسف ومحمد عبد الكريم، ومجموعة أنصار السنة ممثلة بأبي زيد يمثلون جميعهم ورقة ضغط إضافية في دعم علي عثمان. الخط السلفي الخليجي ورقة ضغط خارج دائرة المؤتمر الوطني ولكنها ورقة مهمة وقوية سيلعب به علي عثمان، فعين المملكة السعودية تراقب كل شيء see-all eye.
ما هي أوراق د. نافع؟ كثير من الناس لا يميز أن الدكتور نافع ليس في السلطة التنفيذية، وإذا فهمنا أن إنقسام الحركة الإسلامية قبل عشرة سنوات أحد أسبابه تدخل سلطة الحزب (د. الترابي) في شؤون السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء البشير) سنفهم أن أمانات المؤتمر الوطني بما فيها د. نافع كنائب لرئيس الحزب، لا تستطيع التدخل المباشر في شؤون السلطة التنفيذية، ولكن لديهم أساليبهم الناعمة وغير المباشرة لتجاوز الخط الفاصل. يأتي في بؤرة الصراع ما بين د. نافع وعلي عثمان قيادة جهاز الأمن الوطني الفريق محمد عطا الله من تلاميذ د. نافع بلا شك وهي أول الأوراق وأهمها. الورقة الثانية لدكتور نافع أن يده نظيفة وأبناؤه غير البيولوجيين نظاف لا يعتبرون في دائرة رجال الأعمال الإسلاميين إياهم، ولم تتسخ أيديهم بسرقة المال العام وإستغلال النفوذ. والورقة الثالثة لدكتور نافع شباب الجامعات والخريجين الجدد الإسلاميين المنتمين لحزب المؤتمر الوطني سيصعدهم د. نافع لإحلالهم محل العجائز من دهاقنة البزنز الإسلاميين. الكرت الرابع هنالك عدة إشارات تؤكد وقوف البشير مع خط د. نافع الإصلاحي. فمثلا عمر البشير لوح أن أية عضوية في المؤتمر الوطني لا تلتزم بخط الحزب (الأخلاقي) ستفصل من عضوية الحزب، وبالطبع قصد البشير لصوص المال العام في الحزب. وبإقالة صلاح عبد الله قوش من رئاسة أمانة العاملين بالحزب أي أمانة العضوية بملفاتها، يصبح جميع أعضاء الحزب تحت مطرقة الفحص من قبل د. نافع وربما الفصل.
أين نقطة ضعف د. نافع؟ بلا شك في دهاقنة رجال الأعمال الإسلاميين في المؤتمر الوطني فهؤلاء وكما قلنا سابقا لن يصوتوا للدكتور نافع أو لمن يمثله في أية معركة إنتخابية فاصلة ما بينه وبين نائب رئيس الجمهورية علي عثمان، مثل المعركة على رئاسة الحركة الإسلامية. فدائرة نفوذ د. نافع في الحركة الإسلامية التابعة للمؤتمر الوطني لا تحوي شبكة رجال أعمال إسلاميين على وزن الشريف أحمد عمر ود بدر وأضرابه. ومن الخطأ التقليل من حجم هذه الشبكة الإقتصادية أو نفوذها داخل الحزب أو الحركة الإسلامة التابعة للمؤتمر الوطني، فهنالك عشرات الآلاف من الشخصيات الصغيرة ربطت معاشها وإمتيازاتها بشبكة دهاقنة رجال الأعمال هؤلاء. ويخبرنا التاريخ السياسي بعمومه أن اللوبيات الإقتصادية هي التي في الغالب تكسب المعركة السياسية، وما حدث في مصر هو إستثناء يشبه المعجزة.
إن لم يحقق د. نافع بروسترويكا صحفية تتبنى قانون الصحافة الأمريكي، تنسخ بروسترويكا الصحفي عثمان ميرغني، وكما فهمنا سابقا أن قانون الصحافة الأمريكي يضرب الفساد في الصميم، قد لا يضمن الدكتور نافع أن يفوز خطه الإصلاحي في الماراثون القادم. لأسباب متعددة، منها على سبيل المثال لا الحصر أن بروسترويكا عثمان ميرغني التي حث بها قوش وعلي عثمان هي واضحة وليست سوى دق الطبول للمزايدة على الدستور الإسلامي وتطبيق الشريعة، وبالفعل – إغراق الساحة بجدل بيزنطي ومعركة لفظية ما بين العلمانية والإسلاموية هكذا يقلب علي عثمان الطاولة على رأس د. نافع. إلى اليوم لا نرى لبروسترويكا عثمان ميرغني أثرا أو زخما، ولكن لا يمنع أن تهب السيموفونية البروسترويكية بشكل مفاجئ لمباغتة دكتور نافع عل طريقة باقان أموم too late فالطابور الخامس السلفي مرتب ومنظم بشكل لا يمكن تخيله..ما هي سوى إشارة صغيرة حتى تبدأ “لكاسيتات” السلفية في العزف!!
لذا كانت مساهمتي بمقالة عن العلمانية في صفحة سودانيزأونلاين بعنوان: العلمانية في مواجهة تأله الدولة الإسلامية، شبرا بشبر وذراعا بذراع. هذا الصراع اللفظي ما بين العلمانية والإسلاموية يجب ألا نقلل من خطورته، لسعادتي تابعت قبل يومين فقط كيف أن مجموعة علي محمود حسنين المعارضة في الخارج تحطمت على صخرة العلمانية والإسلاموية!! ولقد أستمتعت حقا بالخيوط العنكبوتية التي أفردت لها مما زادني يقينا بأهمية مقالتي عن العلمانية.

شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
[email]shawgio@hotmail.com[/email]