البيان الختامي والتوصيات لمؤتمر قضايا الإصلاح السياسي في السودان


شارك الموضوع :
ديباجة: انطلاقاً من دورها العلمي وتأسيسا على نظمها وتقاليدها, فقد عقدت الجمعية السودانية للعلوم السياسية مؤتمرها العلمي السنوي السادس بعنوان: (قضايا الإصلاح السياسي في السودان) في الفترة من 28-29 سبتمبر 2013م بالعاصمة الخرطوم (فندق كورنثيا).
موضوع المؤتمر هو استشعار لوضع السودان الذي عانى من الصراع السياسي الطويل والذي امتد منذ منتصف القرن العشرين, بالإضافة إلى أن دورة الانقلابات العسكرية قد عطلت تطور النظم السياسية والمؤسسات التشريعية, إن ممارسات النظام الحزبي التعددي نفسه في السودان كانت عائقاً في معظم الأحوال أمام التطور نتيجةً للانشغال بالصراع الحزبي و تجاهل قضايا الوطن والدولة, فضلاً عن التحولات التي حدثت في ربع القرن الماضي من زيادة لرقعة الصراعات وظهور قوى سياسية ومجتمعية جديدة ذات مطالب عادلة, الأمر الذي تطلب ضرورة إعادة النظر في المؤسسات السياسية والدستورية وأجهزة الحكم لتستوعب التغييرات التي حدثت وتواجه أي تصدعات قد تحدث للنظام السياسي.
قُدمت في المؤتمر (17) ورقة تضمنت عدة محاور ناقشت مختلف قضايا الإصلاح، وقد شارك في نقاش الأوراق عدد من المختصين وذوي الخبرة, مضيفين – ليس فقط لما حوته الأوراق من آراء – بل ومساهمين في إحكام التوصيات وبلورتها.
إن الإصلاح هو الإرادة الباحثة عن الخير وتقويم الاعوجاج بمفهوم يتضمن التغيير التدريجي لكل مناحي الحياة نحو الأفضل وهو عملية تغيير تدريجية مستمرة ومتجددة لتطوير النظام دون المساس بأسسه وذلك برصد وتصويب الأخطاء, كما إن الإصلاح ليس عملية سهله أو تجميلية بل هو الانتقال من وضع إلى وضع آخر مغاير كلياً ويتضمن تغييرات عميقة متكاملة ومستديمة, وهو ليس عملية فردية أو حصرية على جماعه بل يجب اشراك جميع الشعب في الإصلاح دون تمييز أو استثناء أو اقصاء؛ ويستلزم ذلك مكافحة الفساد المالي والاداري باعتباره أكبر معوق للإصلاح، وخاصة الفساد الإداري والمالي لارتباطهما الوثيق بالغبن الاجتماعي وذلك من خلال تبني إستراتجية وطنية وإنشاء مؤسسات للشفافية ومكافحة الفساد، وهذا يتطلب جهدا خارقا لمعالجة تراكمات الأخطاء التي وقعت خلال فترة الحكم الوطني وذلك بإجراء الإصلاحات الآتية:
أولاً: إصلاح الممارسات السياسية والأحزاب:
إن الأحزاب السياسية السودانية باعتبارها حلقة وصل بين الشعب والنظام السياسي تضائل دورها الفاعل، وأفضت التجربة إلى تشظي الأحزاب وانشطارها في سبيل التمسك بالسلطة، بينما قادت الممارسات السياسية الحزبية غير الرشيدة إلى تمزيق المجتمع السوداني وهتك نسيجه الاجتماعي, بالإضافة إلى أن تجربة الانتخابات الأخيرة في 2010م، ورغم أنها تمثل طفرة في الممارسة الانتخابية في السودان، إلا أنه قد شابتها الكثير من العيوب؛ على ذلك فإن مقومات الإصلاح تتمثل في :
 على كل الأحزاب إجراء إصلاحات حقيقة داخل منظومتها تشتمل -دون أن تقتصر- على عمل نظام داخلي واضح لكل حزب ونظام تدريبي للأعضاء والكوادر.
 على كل حزب سياسي طرح برامج حقيقية وواضحة للشعب.
 تبني وثيقة أخلاقية للممارسة السياسية (ميثاق شرف) تضعها الأحزاب وتلتزم بها.
 مراجعة قانون مجلس شئون الأحزاب السياسية أو أي مسمى آخر للجهة التي تتولى التسجيل بما يضمن عدم تدخل السلطة التنفيذية بطريق مباشر أو غير مباشر في أنشطة الأحزاب.
 نشر ثقافة الإلتزام بالدستور.
 تضمين التربية السياسية في المناهج التعليمية.
 إجراء تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات تشتمل- دون أن تقتصر- على سقف الصرف على الحملة الانتخابية؛ سلطة إعادة الفرز والانتخابات والزمن الكافي للجدول الانتخابي.
 إنشاء مدونة للسلوك الانتخابي.
 إلغاء نسبة ال4% أو ما عرف بالعتبة من قانون الانتخابات.
 إتباع أسلوب التمثيل النسبي في الانتخابات القادمة بما لا يقل عن نصف مقاعد الجمعية التشريعية الاتحادية ومجالس الولايات.
 تقليص عضوية المجالس التشريعية الولائية وتوسيع الدوائر الجغرافية لتتجاوز حدودها التخوم العرقية بقدر الإمكان.

ثانياً: إصلاح نظام الحكم ومؤسسات الدولة:
عدم ثبات نظام الحكم في السودان في تحديد نوع الدولة وطريقة الحكم والتأرجح بين المركزية واللامركزية أضر بمؤسسات الحكم ورغم أن النظام الاتحادي واللامركزي والحكم المحلي برأي الكثيرين هو الأسلوب الأمثل إلا أن التجربة تقتضي المراجعة لإصلاح العيوب الهيكلية وعيوب التشريعات وعيوب الممارسة بما يعيد السلطة إلى الشعب؛ أما الخدمة المدنية والتي هي ذات ارتباط مباشر بالجمهور فقد أخل التسييس المستمر بنظمها منذ التطهير وحتى التمكين، كما أن ضعف الرواتب والمخصصات، وعدم العدالة في توزيعها وعدم التدريب الى جانب ضعف الرقابة، أدى ذلك لاستشراء الفساد، وعليه فإن الإصلاح يكون بـ:
 الاتفاق على صيغة للنظام السياسي والإبقاء على شكل الحكم الاتحادي بعد مراجعته.
 انتخاب مجلس تأسيسي يمثل السودانيين عبر مفوضية الانتخابات لوضع الدستور الدائم للبلاد والقوانين الأخرى المرتبطة بالعمل السياسي وعرضها للاستفتاء الشعبي.
 تقييد التقرير فى القضايا المصيرية بالاستفتاء الشعبي.
 الحكم المحلي هو مستوى للحكم، يقنن بالدستور وليس شأن ولائي.
 إصلاح قوانين الحكم المحلي وهياكله الإدارية والمالية بحيث يكون المجلس المحلي ممثلا لرغبات وتطلعات الجمهور.
 تقليص عدد الوحدات المحلية القائمة الآن بناءً على الدراسات العلمية المتوفرة.
 تقوية ولاية وزارة الحكم اللامركزي (المجلس الأعلى ) على الضباط الإداريين مع الاهتمام بتأهيلهم وتدريبهم.
 إعادة النظر في قسمة الموارد والعائدات بين الولاية والمحلية.
 مراجعة قوانين الإدارة الأهليه مع استيعاب التقاليد الاهلية الموروثة.
 إعادة النظر في هياكل مؤسسات الخدمة المدنية وكافة من يشغلون هذه الهياكل.
 اصلاح قوانين الخدمة المدنية.
 حيادية الأجهزة العدلية وكفالة عدالتها.
 إزالة الفوارق الحادة في الأجور بين فئات العاملين بالخدمة المدنية وصولاً لشروط الخدمة المجزية.
 اعتماد الكفاءة في التعيين والترقي وليس الولاء أو المحسوبية أو الجهوية أو العرقية.
 حظر مؤسسات الدولة وشاغلي المناصب الدستورية من ممارسة العمل الاستثماري أو التجاري.

ثالثاً: الإصلاح الاقتصادي:
تأثر الاقتصاد السوداني بالتقلبات الدولية في السياسة والاقتصاد، فضلاً عن تأثره بالعوامل الداخلية التي أبرزها سوء التخطيط والأزمات السياسية المستمرة مما أجبره على التراجع، وقد ألقت ظاهرة الفساد بظلالها على الأداء الاقتصادي الذي رغم القناعة التي تصل حد الإجماع بقدرته على النهوض إلا أن السياسات الاقتصادية تأتي متخبطة، وتكرس للإفقار؛ ومن ثم فإن الاصلاح يتلخص في:
 إنشاء مفوضية وطنية للشفافية ومكافحة الفساد ودعمها حتى تؤدي دورها بفاعلية.
 حصر الأنشطة الاستثمارية على قطاع الأعمال ووقف دخول الأجهزة الحكومية كطرف منافس.
 تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي ومراجعة القوانين المرتبطة بذلك.
 مراجعة الفوائد المترتبة على اشتراك السودان في الإتفاقيات التجارية العالمية والإقليمية.
 تفعيل وتطبيق القانون تجاه هدر المال العام أو الاعتداء عليه، مع ضرورة الرقابة والمسائلة والمحاسبة الجادة للمسئولين والموظفين الحكوميين.
 مراجعة قانون حصانة الدستوريين وعدم التوسع في منح الحصانات.
 تفعيل مبدأ الشفافية بإتاحة المعلومات والبيانات للرأي العام ومعاقبة من يحجبها، مع مراعاة المعلومات المتعلقة بالأمن القومي.
 مراجعة سياسات التمويل الأصغر وتقويتها وزيادة سقف التمويل.

رابعاً: إصلاح سياسة السودان الخارجية :
تمثل السياسة الخارجية أحد أهم صمامات الحماية للمصالح الوطنية والأمن الداخلي ووسيلة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والثقافية، وقد شهدت ساحة العلاقات الخارجية السودانية العديد من المعارك الدبلوماسية كان السبب الأبرز فيها هو النزاعات الداخلية. ومن ناحية أخرى اتسمت علاقات السودان مع دول الجوار الأفريقي بالضعف مقارنةً مع بقية مكونات الأسرة الدولية، و توصيات تطوير السياسة الخارجية تتمثل في الآتي:
 صياغة إستراتيجية واضحة لسياسة السودان الخارجية تهدف إلى توثيق وتطبيع علاقات السودان بالمنظمات الدولية والفاعلين الدوليين والى إعفاء ديون السودان وشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
 ضرورة التوافق الداخلي كأهم مرتكز لبناء سياسة خارجية قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد.
 تطوير فرص التعاون الخارجي في مجالي الدعم الفني والمالي.
 تنمية وتقوية العلاقات مع دولة جنوب السودان في شتى المجالات كأولوية إستراتيجية .
 الاهتمام بتقوية العلاقات مع دول الجوار الأفريقي وإنشاء منطقة تكامل على الحدود مع إثيوبيا.
 ضبط الخطاب السياسي الداخلي المتعلق بالخارج، مع منع الحديث في مسائل السياسة الخارجية وعلاقات السودان الدولية دون الرجوع لوزارتي الخارجية أو الإعلام.
خامساً: إصلاح مؤسسات المجتمع المدني:
رغم أن مؤسسات المجتمع المدني لا تمارس السلطة ولا تستهدف أرباحا اقتصادية، ولكن لها دور سياسي يتمثل في المساهمة في صياغة القرارات من موقعها خارج المؤسسات السياسية، إلا أن دخول مؤسسات المجتمع المدني في السودان في صدامات متكررة ومواجهات مع الحكومة أقعدها عن أداء دورها وصرفها للعب أدوار ثانوية وجعلها منكفئة عن المشاركة الشعبية الواضحة في البناء والتنمية، فإذا أضفنا لذلك شح مصادر التمويل نجد أن مؤسسات المجتمع المدني في السودان تواجه مأزقا حقيقاً؛ والإصلاح يتمثل في :
 النظر إلى منظمات المجتمع المدني كفاعل حقيقي بين المجتمع والحكومة .
 إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني وتعديل القوانين المقيدة لحرية تكوين الجمعيات والنقابات والاتحادات ونشاطاتها في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية.
 إعطاء منظمات المجتمع المدني بعدها الجماهيري والتأكيد على ديمقراطية نظامها الداخلي.

ختاماً:
إن هذه التوصيات في جميع محاورها لا يمكن أن تحقق مقاصدها إلا في ظل الحكم الصالح والنظام الديمقراطي التعددي الذي يسود فيه حكم القانون والشفافية والتبادل السلمي للسلطة.
وكخطوة عملية فإن الجمعية السودانية للعلوم السياسية تتبنى قيام هيئة وطنية للإصلاح لبلورة وتطوير توصيات المؤتمر لوثيقة وطنية للإصلاح الشامل، يتم تقديمها لكافة القوى السياسية والحزبية ومنظمات المجتمع المدني، وأن عملية الإصلاح تقتضي التوافق على مرحلة انتقالية تنجز خلالها أطر الممارسة السياسية والدستورية والقانونية والإدارية مدخلاً للإصلاح الشامل في السودان، استناداً إلى مبدأ الإصلاح السلمي التوافقي بين أبناء الوطن كافة؛ ويستلزم ذلك إرادة سياسية من جميع الأطراف مع مراعاة أن التأخير يزيد من تعقيد الوضع وعملية الإصلاح.

البيان الختامي
والتوصيات

28-29 سبتمبر 2013م
————–
أحمد عبدالعزيز الكاروري
باحث إعلامي

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.