رأي ومقالات

منى عبد الفتاح: نزاع الأفروعروبية في السودان

[SIZE=5]استثار السودان، بوصفه موطناً لتطورات حضارية عديدة، انتباه العالم الخارجي على مدى تاريخه، فبدأ اهتمام علماء الآثار والأجناس به، منذ القرن التاسع عشر. كما أثارت مسألة العلاقة بين العروبة والأفريقية اهتمام العلماء أخيراً، في مجالات عدة، كالسياسة والتاريخ والأجناس، في سعي حثيث إلى إزالة اللبس عن هذا القُطر الذي وصفه رئيس السنغال الأسبق، ليوبولد سنغور، في تعليق ساخر، يقول فيه: كان في وسع السودان بعد استقلاله عام 1956، أن يصير أفضل الأفارقة إلّا أنّه اختار أن يكون أسوأ العرب.

لو تفحصنا الرواية المجردة التي تُقدم بها الشخصية السودانية، فسنجدها تقدم كشخصية منقوصة، أو مُحاطة بأطر من الغرائبية، خصوصاً في أوقات الأزمات، وعندما يُصاب المجتمع بالإحباط. وإذا كان الإعلام الغربي، عبر السينما، قد نسج خيوطاً من الأوهام عن الشخصية الأفريقية، وكرس تشويهها لتبرير الاستعمار، على اعتباره واجباً حضارياً، فما فعله العقل الجمعي العربي أنّه استطاع أن يشدّ، بكل قواه، على تلك الخيوط. وهذه الصورة ليست بعيدة عن الأذهان، فتاريخياً نجد أنّ المفاهيم والنظريات والتحليلات التي تناولت الإنسان غير الغربي في زمن الاستعمار، كشفت عن تمييز عنصري واضح، ولم تمثل إلّا أفكاراً اعتمدت فروضاً لا أساس لها، إلّا في الذهن الغربي المركزي، بل كثيراً ما استهدفت خدمة المشروع التطبيقي للاستعمار.

لا شك أنّ الصورة المشوشة عن السودان تشكلت في ظروف متواترة من الصراعات والنزاعات، وبوصف أنّ أفريقيا المكان المناسب للتلوين برمزية الرغبة البدائية الأولى، فقد تشبّعت بهذا المعنى الرمزي عند بداية ابتعاد الرحالة عنها، لا مع إقبالهم عليها. وهذا يعني أنّ الرحالة غير المحايد بالفعل أعطى صورة ذاتية، أكثر مما هي موضوعية، وبذلك، نأى عن أن يكون جغرافياً مشغولاً بالمظهر الخارجي للمكان إلى أقصى حد ممكن. فعندما يتحدث العربي عن الأفريقية السودانية، فهو يعني بشكل كبير إقليماً مهمشاً ودائرة مغلقة تُنسج حولها الأساطير وتُصدّق. كما أنّ معظم مثقفي البلدان العربية لم ينتبهوا إلى أهمية المعالجة التاريخية والتحليل الاجتماعي للعلاقات العربية الأفريقية، بل تبنى معظمهم أخطاء الأنماط المطروحة من المراحل السابقة، أو التي روجتها المدارس الاستشراقية والأنثروبولوجية عن الشعوب، وتطوراتها وأهدافها.

كما يمكن، أيضاً، العثور على صورة أهل السودان لدى العرب، عند الحدود التي رسمها رحالة كثيرون، مثل ابن بطوطة، حيث ارتسم السودان في أذهان القدماء باعتباره بلاد الظلام بناءً على حكم اختزالي. وتكونت صورته بشكل متدرج، وهي تعنى بالجوانب البشرية أكثر من غيرها، وهي جزء من الصورة الكلية للأفارقة، والتي تلونت في أعين الرحالة المسلمين بصور تحكمت فيها الموجهات والمؤثرات الدينية والثقافية، فظهرت صورة الأفريقي انتقاصية ومعتمة، كونها اقترنت بجملة من النواقص الدينية والأخلاقية واللونية.
ولمّا كان السودان يقع في قلب أفريقيا، فقد اكتسب أهمية كبيرة، خصوصاً لمساحته، ومثّل إحدى أهم المناطق في القارة الأفريقية، بموقعه بين مصر وخط الاستواء من جهة، وبين البحر الأحمر ووسط أفريقيا من جهة أخرى. كما أنّ تنوع طقسه وقبائله ولغاته وثقافاته جعل منه في الواقع أرض لقاء بين الشعوب والثقافات. ومنذ العصور القديمة، كان يلتقي عنده العالم المتوسطي وقلب أفريقيا، يؤلف بينها النيل من الجنوب إلى الشمال، يتبع مجراه من المنبع إلى المصب الناس والأفكار والسلع.

بالإضافة إلى الموقع؛ فإنّ العملية الاجتماعية التي تمت على أرضه، وجعلت منه بوتقة لانصهار العنصر الأفريقي والعربي، وتحوله إلى هذا النسيج، جعلت الواقع السوداني يرد على مقولات كثيرة، بل والمبالغات التي يقع فيها العرب أو الأفارقة، سواء بالنزوع إلى الأفريقانية حالة من الانزواء، أو التنادي بالعروبية كحالة من التعالي.

النموذج السوداني الأفريقي هنا، إنما يقدم مثالاً تاريخياً، مثل غيره من المناطق، أو التمازج، كالأمازيغية المغاربية أو العراقية الآشورية، ولكنه، في الوقت نفسه، يقدم مادة حية للبنية الاجتماعية المعبرة، استناداً إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه وتغذّيه الروايات الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأدبية، للآخر الموسوم بالدونية والاختلاط. وهو تصور ينهض على التمايز والتراتب والتعالي، وبروايات كثيرة تعمل على تراكم الصور النمطية المتخيلة الناتجة منه في المخيلة العربية، تكون قد قادتنا قريباً جداً من العصر الوسيط ونظامه القيَمي المعياري.

وعليه، فبالرغم من سيادة عصر العلم والتكنولوجيا وثورة المعلومات، لا تزال شعوب كاملة تعيش على أسطورة أدغال سودان أفريقيا ووحوشه، ولا تزال العناصر الأسطورية قائمة في أذهان العالم العربي، كما لا تزال الأساطير عناصر إلهام تُنسج وتوظف للتعمية أو التسلية. إذا استقصينا كل التفاعلات المعاصرة، وأخذنا في الاعتبار أنّه مع العصر الحديث هذا لم تفلح المجتمعات العربية في التخلص من مؤثرات الماضي، نجد أنّ الحداثة والعولمة بذرتا خلافاً جديداً، تمثله مفاهيم التمركز والتفوق ومحاولة سيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر. وبه، فقد صارت تنبعث اليوم مفاهيم جديدة، تأخذ صورة إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة، فيما يعيش المجتمع السوداني زمنين متناقضين في القيم والثقافة.

منى عبد الفتاح– العربي الجديد

[/SIZE]

‫2 تعليقات

  1. [SIZE=6]الاخت منى عبدالفتاح
    انت اجتهدتى وبزلتى كلما عندك فى كتابة الموضوع
    لكن لو سالتك انت بالتحديد من موقع السودان من الشعوب
    حتقولى شنو ؟؟؟؟؟
    انا راى الشخصى نكون سودانيين لا عرب ولا افارقه
    زى قارة استراليا او امريكا
    لانو فى حاجات كتيره مختلفه بيننا وبين العرب وبيننا وبين الافارقه
    صحيح فينا جزء كبير بدى ملامح عربيه وفينا جزء بملامح افريقيه
    المشكله ان العرب بعيدين مننا فى حاجات كتيره والافارقه نفس الشئ
    وانا بقول ليك الكلام ده هسه انت بشكلك الحلو ده
    لو مشيت الدول العربيه بطلعوك ماعربيه لكن ممكن يقولوا ليك ياسودانيه
    يعنى احترموك لكن عندهم لمن يقولوا ليك ياسودانيه بقولوها من باب الاستفزاز اما الفرق بيننا وبين الافارقه معروف
    بس برضو فى افارقه اشكالهم معانا بالظبط حتى بندقس فيهم كتير
    لكن متمسكين بافرقيتهم وانحنا لحدى هسه رايحين فى النص
    واحداث كتيره للسودانيين فى الدول العربيه
    وغير كده العرب معروفين بتخلفهم وجهلهم وعنصريتهم من تاريخ بعيد
    ولحدى هسه انحنا ماعارفين ليه رايحه لينا هويه
    هل العروبة باللون ولا بالقروش ؟؟ ابدا العروبه بالتخلف والعنصريه
    ودى مافينا عشان كده شوفوا لينا موقع .
    طبعا الحل صعب وانا عارف وبعد العولم والتكنلوجيا برضو لسه انحنا بفهم سنة 1416
    [/SIZE]

  2. الاخت الاستاذة مني عبدالفتاح – شكراً جزيلا – مساهمتك عظيمة وعميقة – تناولت موضوع الهوية بفهم كبير – أرجو أن يقرأها الجميع بموضوعية – ويقدم الكل ملاحظاتهم بصدق وأمانة وشفافية.

    أتفق مع من يدعو لأن يكون السودان وطن متميز ينتمي إليه جميع السودانيين أيا كانت أصولهم. وذلك السودان من حيث الجغرافيا بلد أفريقي بدون شك وبالتالي فإن كل من ينتمي إليه أفريقي بالجغرافيا. بل أن أهلنا أصحاب الاصول العربية ليس لهم في الواقع محل في تلك البلاد العربية التي هاجر منها أهلوهم قبل آلاف السنين وإن ذهبوا إلي هناك لن يجدوا أرضا يرثوها ولا ذوي قربي يضمونهم اللهم إلا فئة قليلة مثل اهلنا الرشايدة في شرق السودان والذين تبدو عليهم ذات الملامح الموجودة عند أهلهم في السعودية. ولا يجب ان يكون هناك يعيب التواصل وحفظاواصر القربي بين أصحاب الاصول العربية وجميع البلاد العربية.

    الغريب أن بعض السودانيين الذين إختلطت دماؤهم بالأفارقة يترفعون عن ذكر ذلك النسب ويتهربون من التقرب إلي اولئك الاقارب ولو كان هؤلاء الاقارب أهل أمهاتهم أو أهل جداتهم- ويفرون من الصلة بهم كفرار الناس من ذويهم يوم القيامة.

    أما السودانيون اصحاب الاصول الأفريقية سواء اختلطوا بالأصول العربية أو كانوا من اصول افريقية خالصة فهم في افريقيا وليس هناك من عيب أو حجر يمنعهم من التواصل مع بقية الافارقة في أفريقيا.

    وفوق كل هذا وذاك – فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب إن رضوا أو أبوا.

    فلتكن الهوية السودانية هي هويتنا ولعتز كلنا بأفروعربيتنا ولنتعاون علي البر والتقوي مع العرب والافارقة كأجناس ونذكر اننا أفارقة في أفريقيا كقارة حاضنة. ولنعمل جاهدين لتقدم الصفوف العربية والافرقية وما ذلك علي الله ببعيد. نحن نمتلك مقومات الشعب العظيم باخلاقنا الكريمة وشجاعتنا وكرمنا العميق الجذور.