رأي ومقالات

ناهد قرناص: أغنياء من التعفف


سمعتها وهي تهمس في الهاتف النقال (قول ليهم امي ما صرفت المرتب ..يومين ..تلاتة بجيب ليكم الرسوم) ..كنت قد مررت بجانبها لبعض شأني ..ناديتها وسألتها (في شنو يا خالتي فلانة) ..هي تعمل معنا مسؤولة عن النظافة ..تاتي مبكرة ..لتنظف المكاتب وارضية المعامل ..تتحرك بخفة الفراشة لتأتي لك بشئ من الخارج ..لا تكاد تحس بها ..فهي صامتة طوال الوقت ..ومبتسمة لا ترد الا بالحمد الله مستورة عندما تسألها عن الأحوال ..في ذلك اليوم كانت تغالب الدموع عندما قالت لي بعد الحاحي لاعرف المشكلة ..ان ابنها قد تم ارجاعه من المدرسة بسبب عدم سداده الرسوم ..سألتها عن المبلغ ..ردت بعد طول تردد انه (500 جنيه) ..اذكر انها رفضت تماما ان ادفع عنها الرسوم ..ولم تأخذ المبلغ الا بعد ان وعدتها انني سأعتبره دينا عليها تسدده على مهلها.
كان ذلك قبل فترة (قبل ان تقفز الرسوم المدرسية بالزانة) ..لكن الذي جعل هذا الموقف يقفز الى ذهني ..مقال عبقري الرواية العربية ..الطيب صالح ..والذي يقول فيه انه ينحاز الى الجانب الانثوي ..ذلك ان الأمهات قد زرعن فينا طمأنينة ..تملأ نفسك باليقين ..وتجعلك فرحا بما عندك ..ولا تمد عينيك لما عند جارك ..نشأنا في بيوت من الطين متلاصقة ..تشد بعضها بعضا ..كنا نأكل ما يقدم لنا دون تذمر …ولا احتجاج على نوع الاكل ..نسعد باصغر الاشياء ..ولا نتكبر اذا اصبنا من الدنيا شيئا ..يحسبنا الكثيرون اغنياء فعلا ..
قال الطيب صالح ان اقرانه في الجامعة كانوا يعتقدون انه ثري ..ذلك انه لا يتذمر ولا يشتكي ..والحادثة ارجعتني الى موقف طريف لا زلنا نذكره انا وصديقاتي ..كنا في الداخلية نتجاذب أطراف الحديث ..سألتني مهاد (ناهد انتي هسه في الشهر برسلوا ليك كم ؟) ..قلت لها (انا بصرف في الشهر 750 جنيه) ..صرخت مهاد وشاركتها نهى الاندهاشة (بس ؟ ونحن كل اسبوع نطلع لي اهلنا نشيل منهم 500 جنيه ونجي نكملها كلها ونرجع نشيل تاني الاسبوع البعدو ..كيف تقدري تعيشي بالقروش دي ) ..ضحكت وقلت لها ( يا زولة انت اهلك في بري والتانية اهلها في امدرمان ..كان قطعتوا قروش يلحقوكم بعد ساعة ولا ساعتين ..لكن انا اهلي وين ؟..كان قطعت ..الا انتظر المحلي يدخل عطبرة) ..
لكن ذلك لم يكن الرد المناسب وان كان صحيحا ..فالرد الشافي هو ما ذكره الطيب صالح ..تلك الطمأنينة التي زرعتها فيها امهاتنا ..تلك القناعة ..والعيش على ما عندك ..ومد الرجل على قدر اللحاف ..هذه المراة الجميلة التي تشاركني العمل في المعمل ..بها من الطمأنينة ما يكفي لاجيال ..كانت تعمل بكل طاقتها وتبتسم في وجه كل من يصادفها ..وهي اقلنا اجرا ..واكثرنا ثقة ..كثيرا ما كنت اتاملها وهي تحني ظهرها لتنظف مكانا (غميسا ) بين الطاولات ..تكتم اهة تكاد تفلت منها عندما تلتقي نظراتنا ..تعتذر بلطف وهي تطلب مني الخروج من المكتب (عشان الغبار كان كتير امبارح يا دكتورة )…
كنت دائما ما اتساءل من اين لها بهذا الجمال كله ..بهذا الصبر والهدوء ..واليقين حتى وجدت الاجابة عند الطيب صالح ..انه الايمان والثقة بالله المزروع منذ الطفولة ….رحم الله امهات ذلك الزمان الجميل ..لم ناخذ منهن الا اليسير .. وسلام عليك في الخالدين يا عبقري الرواية العربية ..فالحق معك فان كان الامان رجلا ..فالطمانينة بكل تأكيد امراة.

ناهد قرناص



تعليق واحد

  1. (لكن انا اهلي وين ؟..كان قطعت ..الا انتظر المحلي يدخل عطبرة)
    حقيقة نفس العشتو انا ايام الجامعة
    وياحليييييل عطبرة وناس عطبرة

    اهوي عطبرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *