رأي ومقالات

تركيا بعيون صحفي سوداني: جولة في ذاكرة إسطنبول “٣”

لمّ دخلت على ضريح أبي أيوب الأنصار في تلة خضراء بمدينة إسطنبول هالني الأمر، وغمرتني رهبة، لم أعتدها من قبل، خفت وبكيت، بكيت كثيراً، تخيلت ذلك الصحابي الجليل الذي عاش طوال عمره مجاهداً، يسمع نحيبي وسلامي، وهو الذي شهد بيعة “العقبة الأولى”، وغزوتي “بدر” و”أحد”. وأعظم مافيه من مأثرة أن الرسول الكريم خصه بالنزول في بيته عندما قدم إلى المدينة المنورة مهاجرًا، أول الأمر، وأقام عنده سبعة أشهر، حتى بنى الحجرة والمسجد، وانتقل إليهما، وكان بيته من طابقين على معمار ذلك الزمان، فبقى النبي في الحجرة الأسفل يلقى الصحابة، وعندما أريق الماء في أحد الأيام من فوق قام أبا أيوب وزوجته ليلاً بتجفيف الماء براحة أياديهما، خشية أن تسقط قطرة منه على الضيف الكريم، ولعل الأتراك الذين رأيتهم في زيارة قبر هذا الصحابي، ومنهم جماعة محمود أفندي الزعيم الروحي يدركون مناقبه، إذ يُعتبر حامل لواء جيش النبي محمد صلى الله عليه وسلم، جاء مع بداية فتوحات الدولة الأموية بقيادة يزيد بن معاوية يطلب النصر للإسلام أو الشهادة، لكن القسطنطينية استعصت عليهم بادئ الأمر، فمرض وأوصى أن يدفن بالقرب من أسوار المدينة، وبعد أن هبّ القائد الشاب محمد الفاتح وزلزل قلاع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، قام بتحديد موقع ضريح هذا الصحابي في عام 857هـ، أي بعد 785 عاماً من وفاة أبي أيوب، ما يعني أن النصر قد يتأخر ولكنه يأتي لابد، ولذلك قاتل هذا الصحابي الذي ناهز عمره المائة قتال الشجعان، يحمل السيف ويتقي الرمية ويشد على فرسه، ولم يقعده العمر ولا كفته الصحبة المباركة، فألهم جيل الفتوحات، من لدن جيش معاوية، مروراً بالسلاطين العثمانيين الذين جاؤوا بعد محمد الفاتح، وجرت مراسم تقليدهم سيف السلطنة قبالة شاهد قبر أبي أيوب، وداخل مسجده الذي تقام فيه الى اليوم الصلاة والذكر وحلقات القرآن، وتحيطه المطاعم المميزة والنوافير العالية والحدائق الغناء، والإعتناء التركي الباهر بكل معلم قديم موحي، إلى جانب رجال ونساء من أمة محمد، يشدون الرحال إلى هنا وأماكن أخرى، يلتمسون العبر والقدرةالحسنة، ولكن، كمال أخبرنا الإمام علي بن طالب رضي الله عنه وأرضاه “ما أكثر العِبَر وأقلَّ الاعتبار”.
عزمي عبد الرازق
نواصل