منوعات

كيف أنقذ الوعي الشعبي السودان من نخبته السياسية

بين شيطان السياسة وضمير الجيش: كيف أنقذ الوعي الشعبي السودان من نخبته السياسية

منذ أن بزغ فجر الاستقلال عام 1956، ظل السودان عالقًا في حلقة مفرغة من صراعٍ عبثي بين حاكم متشبث بالسلطة ومعارض مستعد للتحالف مع الشيطان لإسقاطه، ولو كان الثمن هو الوطن نفسه.
و بين مقولة بعض المعارضين: «نتعاون مع الشيطان لإسقاط النظام»، ومقولة بعض الحاكمين: «لن نتعامل مع المعارضين إلا بعد أن يغتسلوا سبع مرات من مياه البحر»، تشكلت مدرسة كاملة من الكراهية السياسية المتبادلة، جعلت البلاد تدور لعقودٍ في فلك الانتقام لا في مسار بناء الدولة.

من «نتعاون مع الشيطان» إلى «الاغتسال سبع مرات»
هذان الشعاران المتطرفان يلخصان مأساة السياسة في السودان: معارضة لا ترى بأسًا في الاستقواء بالشيطان – أيًا كانت صورته: أجنبيًا، أو مليشيا، أو تدخلاً دوليًا – مقابل إسقاط خصمها. وسلطة لا ترى في معارضيها شركاء في الوطن، بل نجاسة سياسية لا تُغتفر إلا بـ«الاغتسال سبع مرات من مياه البحر». هذه اللغة ليست مجرد مبالغة خطابية؛ إنها تعبير عن ذهنية جعلت الخصومة أهم من الوطن، والحرب السياسية أهم من السلام الاجتماعي.

في ظل هذا المناخ، ضاع الشعب السوداني بين طرفين: معارضة مستعدة لحرق المعبد على من فيه، وسلطة تتعامل مع نصف شعبها بوصفه خصمًا ينبغي محوه لا محاورته. ومع كل دورة صراع، كانت الثقة في الطبقة السياسية تتآكل، حتى وصلنا إلى لحظة راهنة بات فيها كثير من السودانيين مقتنعين أن ما يحدث اليوم – بما فيه الحرب – هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء إدارة السياسة.

الانقلابات… من الذي دعا الجيش إلى السلطة؟

كثيرًا ما يُقدَّم الجيش في السرديات السياسية على أنه «المغامر» الذي يخرج من ثكناته لينقلب على الشرعية، لكن قراءة تاريخ السودان تكشف حقيقة مؤلمة: لم يكن أي انقلاب عسكري تقريبًا وليد مغامرة فردية معزولة، بل جاء – في جوهره – استجابة لتحريض أو تواطؤ أو استدعاء من الطبقة السياسية نفسها.
انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 لم ينطلق من فراغ، بل جرى تسليمه السلطة عمليًا عبر تفاهمات سياسية، حين لجأ رئيس الوزراء آنذاك إلى الجيش لحسم صراع حزبي عجز عن حله مدنيًا. انقلاب مايو 1969 جاء في مناخ استقطاب حاد بين التيارات اليسارية والقومية والطائفية، شاركت فيه قوى مدنية بارزة، رأت في الجيش أداة لتصفية خصومها. انقلاب 1989، بدوره، لم يكن «قفزة معزولة» من داخل المؤسسة العسكرية، بل كان تتويجًا لصراع سياسي محتدم، واستخدمت فيه حركة سياسية منظمة الجيش كوسيلة للاستيلاء على الحكم تحت لافتة الإنقاذ.

بهذا المعنى، لم يكن الجيش هو من استيقظ كل مرة وقرّر وحده إزاحة السلطة المدنية؛ كانت الطبقة السياسية هي من فتحت له الباب، ثم وقفت لاحقًا تتباكى على الديمقراطية التي سلمتها بيديها. وهكذا تكررت المسرحية: سياسيون يفشلون في إدارة خلافاتهم بالوسائل الديمقراطية، ثم يفتحون الباب للانقلاب، ثم يلقون باللوم كله على «العسكريين».

اعترافات السياسيين… ديمقراطية بلا حُرّاس

لم يكن فشل السياسة في السودان سرًا، بل حقيقة اعترفت بها رموزها الكبرى عبر الزمن، كلٌّ من زاويته ومدرسته:
• وقف الشريف زين العابدين الهندي في واحدة من أشهر لحظات الصراحة السياسية ليقول عبارته القاسية تحت قبة البرلمان : «إن الذين ظلوا يدافعون عن الديمقراطية ودفعوا أثمان غالية، تاني لو جا كلب شالها ما بقولوا ليه جر، بقت جيفة ما عندها ناس يحرسوها». لم يكن يسبّ الديمقراطية في ذاتها، بل يعرّي طبقة سياسية أضعفتها حتى صارت بلا حراس، بلا رجال، وبلا استعداد للدفاع عنها ساعة الخطر.
• كان عمر نور الدائم يكرر في أحاديثه أن السياسة في السودان تُمارَس بالعواطف لا بالعقول، في وصف دقيق لواقعٍ تغلب فيه الانفعالات والولاءات الضيقة على الرؤية والبرامج.
• حسن الترابي، أحد أكبر منظري الإسلاميين، انتهى به الأمر إلى الاعتراف بأن الحركة التي قادت انقلاب 1989 لم تطور «فقهًا سياسيًا معاصرًا» يليق بطموحاتها؛ تنظير كثير عن الشورى والديمقراطية، لكن الممارسة انتهت إلى مصادرة الحريات، فخسروا الشرعية والفاعلية معًا.
• محمد إبراهيم نقد، من موقعه في اليسار، رأى أن علاج أزمة النظام البرلماني لا يكون بدكتاتورية جديدة تصادر الحريات، بل بتوسيع الحقوق وبناء دولة مدنية ديمقراطية، وكان يقول إن حزبه «حزب صغير قدر السودان»، يعمل في حدوده الوطنية، في تلميح واضح إلى من جعلوا من السياسة بوابةً للتبعية.
• الصادق المهدي، من موقعه في قلب التجربة الديمقراطية، كتب مرارًا أن المشكلة ليست في مبدأ الديمقراطية، بل في بنية الأحزاب القائمة على الطائفية والقبلية، وأن النخب فرّطت أكثر من مرة في التجربة الديمقراطية تحت ذرائع الأمن أو التكتيك السياسي.
• وعلى الضفة الأخرى، حمل د. جون قرنق القوى التقليدية مسؤولية الانحدار الكبير في مسار الدولة، منذ تبني دعوات «الدستور الإسلامي» في بلد متعدد الأديان والثقافات، معتبرًا تلك اللحظة نقطة كسر لمشروع الدولة الوطنية الجامعة، وواحدة من البوابات التي أدت في النهاية إلى انقلاب الجبهة الإسلامية.

هذه الأصوات – على اختلاف مرجعياتها – تتفق على شيء واحد: العطب لم يكن في فكرة الديمقراطية نفسها، بل في النخب التي أفرغتها من مضمونها، وفقدت القدرة على حماية قواعد اللعبة التي تتغنى بها في الخطاب.

حين فقد السودان ثقته في الساسة ووجد ضميره في الجيش:

تراكمت هذه الخيبات حتى وصل الوعي الشعبي في السنوات الأخيرة إلى لحظة مفصلية: فقد السودانيون، خاصة الشباب، ثقتهم العميقة في الأحزاب والحركات السياسية، ورأوا أن ما آلت إليه البلاد من حرب وتمزق هو نتيجة طبيعية لممارسات تلك الطبقة. في المقابل، بدأ الالتفاف يتزايد حول المؤسسة العسكرية، لا بوصفها بديلًا أبديًا عن السياسة، بل باعتبارها الضامن الوحيد الباقي لوحدة البلاد وبقاء الدولة.

الجيش، بقيادته الحالية، أظهر في لحظة حرجة قدرًا من المهنية وضبط النفس والوطنية، رغم حملات الإساءة والتشكيك التي استهدفته عمدًا من بعض الساسة، سواء مَن شاركوا معه في الحكم أو من جعلوا من مهاجمته وسيلة لشد عصب قواعدهم. كثير منهم لم يتردد في شيطنة الجيش وقائده، وفي نفس الوقت الاحتماء بالمجتمع الدولي واستدعاء التدخل الأجنبي، بل والعمل على الوقيعة بين الجيش وقوات الدعم السريع، حتى اندلعت الحرب الكارثية التي نراها اليوم.

ورغم ذلك، ظل الجيش متماسكًا، وواجه تلك الحملات بالصبر لا بردود أفعال منفلتة، واستمر في حمل عبء الدفاع عن الدولة، بينما انشغلت النخب بالمساومات والبيانات والمناورات. لهذا ليس غريبًا أن يتجه المزاج العام إلى الالتفاف حول القوات المسلحة، والاقتناع بأن ما دمَّرته السياسة لن يصلحه إلا جيش وطني منضبط.

رسالة صريحة إلى الجيش وقيادته:

هذا الالتفاف الشعبي حول الجيش نعمة كبرى، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تاريخية ثقيلة. فالشعب السوداني، الذي نأى بنفسه عن الطبقة السياسية، اختار أن يمنح ثقته للمؤسسة العسكرية لأنه رأى فيها الضمير الوطني الأخير، لا لأنه يريد استبدال حكم الأحزاب بحكمٍ عسكري دائم.

لهذا، فإن الرسالة الصادقة إلى الجيش وقيادته اليوم هي:
• أولًا: أن يستفيدوا من دروس التاريخ، وأن يدركوا أن ما أسقط السياسيين ليس فقط سوء تدبيرهم، بل أيضًا خضوعهم لـ«شهوة السلطة» التي أعمتهم عن رؤية الوطن.
• ثانيًا: أن يجعلوا انتصارهم في الميدان بوابة لانتصار أكبر: انتصار الشعب على الفوضى والتمزق، وعودة الدولة السودانية قوية موحدة، لا غنيمة لفصيل ولا منصة لحكم دائم.
• ثالثًا: أن يتبنوا، منذ الآن، تعهدًا واضحًا ومعلنًا بمساعدة الشعب السوداني على استعادة حكمه المدني عبر انتخابات حقيقية، نزيهة، يشارك الجيش في حمايتها وتمكينها لا في منافسة نتائجها.

سيظل الشعب السوداني يدعم جيشه وقيادته حتى تُحسم المعركة، وتُهزم المليشيا، ويُهزم معها مشروع تفكيك السودان لمصلحة القوى الأجنبية وأدواتها في الداخل. هذا الدعم الشعبي ليس شيكًا على بياض، بل عقد ثقة مشروطًا بهدف واضح: حماية الوطن اليوم، وتسليم السلطة غدًا لإرادة الشعب الحرة.

ملامح مرحلة انتقالية جديدة… بقيادة الجيش ورقابة الشعب:

بعد حسم الحرب واستعادة الأمن وعودة النازحين واللاجئين ومن شتّتهم المنافي، تبدأ المهمة الأصعب: بناء دولة انتقالية رشيدة، لا تكرر أخطاء الماضي البعيد والقريب، ولا تسمح للأحزاب أن تستأنف لعبة الإقصاء من جديد.

يمكن رسم ملامح تلك المرحلة على النحو الآتي:
• إنشاء مؤسسات حكم انتقالية ذات شرعية مجتمعية واضحة، تبدأ من المحليات، وتُبنى من أسفل إلى أعلى.
• تشكيل مجالس تشريعية انتقالية تعبر – قدر الإمكان – عن التنوع الحقيقي للسودانيين، مع وضع سقف زمني واضح لمهمتها، مرتبط بالإعداد لانتخابات عامة.
• إنشاء محكمة دستورية كاملة الأركان، تحمي الوثيقة الدستورية القادمة، وتضمن عدم العبث بقواعد اللعبة السياسية.
• تكوين جهاز تنفيذي (مجلس وزراء) قوي، قائم على الكفاءة والخبرة، لا على المحاصصة الحزبية الضيقة.
• تأسيس لجان مستقلة للانتخابات، وتسجيل الأحزاب، وإجراء إحصاء سكاني شامل، لتهيئة بيئة صالحة لانتخابات حرة وشفافة.

خلال هذه الفترة الانتقالية، وعلى امتداد سنوات يتم التوافق عليها وشرحها للناس بوضوح، يكون الجيش السوداني وقيادته مسؤولين عن قيادة البلاد إلى بر الأمان: حماية الحدود، ضمان الأمن الداخلي، منع السلاح المنفلت، تأمين المسار السياسي ومنع اختطافه. لا ينازعهم أحد على هذه المهمة، لكنهم في المقابل يقبلون أن يكون الشعب هو الرقيب الأعلى، لأن التفافه حولهم اليوم هو رأس مالهم الشرعي والتاريخي.

نحو معادلة جديدة بين الجيش والسياسة

المطلوب ليس أن يبقى الجيش حاكمًا إلى ما لا نهاية، ولا أن تعود الأحزاب إلى ممارساتها القديمة، بل أن تولد معادلة جديدة تقول:
• الجيش حارس للوطن، وليس لاعبًا في سوق المحاصصات.
• الأحزاب مؤسسات خدمة سياسية، لا عائلات سلطوية أو واجهات لأجندات خارجية.
• الشعب هو صاحب السلطة الأصلي، يمارسها عبر صناديق اقتراع حقيقية، لا عبر صفقات الغرف المغلقة.
حين يتحقق هذا، يمكن للجيش أن يعود مطمئنًا إلى دوره الدستوري الطبيعي: حماية الحدود والدستور، لا إدارة تفاصيل الحكم اليومي. ويمكن للسياسة أن تستعيد شرفها المفقود، حين تعود وسيلة لخدمة الناس، لا مسرحًا للكيد والعمالة والتضحية بالوطن في سبيل المناصب.

سيكتب التاريخ هذه اللحظة بحروف واضحة: أن السودانيين، بعد أن فقدوا الثقة في نخبتهم السياسية، وجدوا ضميرهم في جيشهم. وأن الجيش، إن اختار أن يرتفع فوق شهوة السلطة، وأن يقود البلاد إلى انتخابات حقيقية، سيكون قد قدّم أعظم انتصار في تاريخه: انتصارًا للكرامة والسودان والشعب، لا لنفسه فقط.

مهندس طارق حمزة زين العابدين