شهداء الطيران (2-3)

في مواعيد حظر التجوال خرج الشاعر الغنائي المشهور أبو آمنة حامد مترجلاً من جلسة مع أصدقاء له بحلة خوجلي متجهاً إلي داره بحي الدناقلة ،
وقفت أمامه سيارة عسكرية و ناداه من بداخلها أن تعال و إركب فتردد ليأتيه الصوت (إركب يا ابو آمنة) ليركب و يفاجأ بأن الرجل هو نائب الرئيس الزبير محمد صالح و الذي سأله من أين أتيت ؟ فقال من حلة خوجلي فسأله (الناس الكنت معاهم رأيهم شنو فينا و في ثورتنا؟) فرد أبو آمنة (لو لموا فيكم بيحرقوكم بالنار).
في اليوم التالي توقفت سيارة عسكرية أمام منزل أبوآمنة ويخبره رسول أن (السيد نائب الرئيس سيزورك غداً ليشرب معك شاي المغرب و يطلب ألا تعد له شيئاً غير شاي لبن).
جلس مع اللواء الزبير في سجادة الصلاة و خرج بعد الأنس ليبعث إليه أن سيشيد له داراً .
عند الحديث عن الزبير كان أبو آمنة حامد يطلق من عباراته العفوية التي عُرف بها قوله (الزبير دا حاجة تانية) ..
هذه واحدة من حكايات كثيرة تحكي عن بساطة نائب الرئيس و تعامله مع الناس .
هذه الخصلة هي التي كانت سبباً في أكبر إختراق في عملية السلام بجنوب السودان.
بعد إتصالات أولية طلب الدكتور رياك مشار أن يأتيه مسؤول من الحكومة للتفاوض و فوجئ الرجل أن طائرة اللواء الزبير تحط في المكان المتفق عليه ثم طلب منه أن يجلسوا للحوار تحت ظل شجرة.
كنت مسؤول الإعلام في المجلس الأعلي للسلام و كان مكتبي مكان اللقاء و الأنس المعتاد لقادة الفصائل الذين وقعوا علي إتفاقية الخرطوم للسلام و كان علي رأسهم و من تقاسمني المكتب الشهيد العميد أروك طون أروك و منهم كاربينو كوانين و نائبه فاوستينو أتيم قوالديت و تعبان دينق نائب رئيس الجنوب بعد الانفصال و رياك قاي مخافظ جونقلي حاليا و عبد الله شول و شول دينق اللاك الذي أصبح وزيرا للدولة بالخارجية و مسؤول أبيي في حكومة الجنوب.
اللواء فاولينو ماتيب سجل لنا عدة زيارات بالمكتب .
كان اللواء الزبير يتابع أعمالنا و عند محادثاته المهمة مع واحد من القادة كان يرسل لي ليخبرني بالموعد و بين الأنس و الضحكات نهيئ من يطلبه للقاء المهم و كانت عبارته المفتاحية لمن سيفاوضه في أمر جلل أن يقول (كلموا راشد يقوم باللازم).
في موتمر صحفي عن السلام و أنا أستقبل الصحفيين عند الباب ناداني و أبعد الوزير الذي كان إلى جانبه ليقول لي (أقعد جنبي لو نسيت حاجة عشان تقول لي) .
قبيل رحلته التي لقي فيها ربه شهيداً سافر في جولة للجنوب عدد في خطاباته فيها المدن و المواقع التي سيزورها بعد الناصر و لكنه أسرع للقاء ربه و كتب له ألا يشهد ثمار غرسه الطيب في شأن السودان و السلام .
الخطوات المهمة التي تم عبرها إنجار إتفاقية الخرطوم للسلام كانت كلها أو جلها عبر هذه اللقاءات المبسطة و الشفافة و التي دعمت الثقة بين الطرفين و أذابت العديد من العقبات .
الشهيد اللواء الزبير محمد صالح كان رجل السلام و صانع خطواته الأهم و كانت شهادته في أعالي النيل التي أحبها و أحب أهلها من النوير الذين يحييهم دوما في خطاباته بلهجتهم و يستهلها بالتحية (مال مكوة مال مديد) و تهتف الجموع فرحة و هي ترد التحية.
راشد عبد الرحيم






