عندما يشعل الغرب حروب السودان ثم يهرب من رمادها

من قرية مستريحة إلى جسد أوروبا: عندما يشعل الغرب حروب السودان ثم يهرب من رمادها
الهجوم على مستريحة ليس حادثة معزولة، بل حلقة في مشروع تفكيك النسيج الأهلي لدارفور وتحويل الإقليم إلى منصة مفتوحة للمرتزقة وتجارة الحروب، بما يهدد السودان وجواره والقارة وأوروبا بأسرها.
فمستريحة التي أحرقت ليست مقراً لفرقة من فرق الجيش السوداني، ولا حامية نظامية، ولا مدينة مركزية تضم بنوكاً ووزارات ومخازن أموال، بل دامرة أهلية لقبيلة المحاميد داخل بيت الرزيقات الكبير، بكل ما تعنيه الدوامر من بساطة وعُمق اجتماعي. هذا النمط من الاستهداف سبق أن طال بلدات ريفية مشابهة في دارفور، حُوِّلت من تجمعات مدنية إلى خرائب بفعل الهجمات المتكررة من المليشيات المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع.
والشيخ موسى هلال لم يكن يوماً من “أركان دولة 56” ولا من طبقة “الجهابذة الإسلاميين” كما يصوّره البعض، بل زعيم عشائري تقليدي لواحدة من أكبر قبائل دارفور والعطاوة، يملك ثقلاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله في معادلة السلم الأهلي أو الحرب. قراره السابق بعدم الانخراط العسكري المباشر في صراع الجيش والدعم السريع، كان خياراً واعياً للحفاظ على تماسك الرزيقات ومنع تحول دارفور إلى ساحة اقتتال شامل بين بطون القبيلة الواحدة.
ومن حق موسى هلال، كأي زعيم أهلي ومواطن سوداني، أن يعلن أن المليشيا على باطل، وألّا يساند مشروعها، وأن يرفض تحويل مجتمعه إلى وقود في حرب عبثية ضد الدولة ومؤسساتها. هذا جوهر أي مفهوم ديمقراطي حقيقي: حرية الموقف السياسي، وحق الأفراد والمجتمعات في رفض الاصطفاف خلف السلاح خارج الدولة.
في المقابل، الخطاب الذي يروّج له حميدتي ومن حوله عن “الديمقراطية” و ”دولة المواطنة” يتهاوى أمام تقارير موثقة عن جرائم ذات طابع عرقي في دارفور، تشمل قتل مدنيين ونهباً ممنهجاً وحرق بلدات بأكملها مثل مستري وأردامتا وغيرها في غرب دارفور، في سياق حملة اتُّهمت بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وربما الإبادة.
هنا يصبح الاعتداء على مستريحة – القرية التي تمثل رمزاً لقبيلة وزعيم اختار الحياد – رسالة سياسية دموية: لا يُسمح بالحياد، ولا يُقبل برفض مشروع المليشيا، ومن يتمسك بموقفه يُعاقَب بالحريق والتهجير.
الهجوم على مستريحة يتزامن مع معارك ضارية حول الطينة (الطينة/التيّنة) في دار زغاوة على الحدود بين السودان وتشاد، حيث تتنازع قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة مع الجيش على السيطرة على المعبر الحدودي الاستراتيجي. الطينة ليست مجرد نقطة حدود، بل شريان حيوي لقبائل الزغاوة بين السودان وتشاد، ولطرق تهريب السلاح والذهب والوقود والبشر عبر حزام الساحل.
هذا التزامن بين استهداف معقل المحاميد في مستريحة، وديار الزغاوة في الطينة، يعني عملياً دفع إثنين من أعمدة دارفور القبلية الكبرى نحو الاستقطاب المسلّح على امتداد حدود السودان مع ليبيا وتشاد والنيجر، بما يفتح الباب أمام:
• تداخل واسع للنشاط المسلح القبلي عبر الحدود، حيث تتوزع امتدادات الرزيقات والزغاوة وسائر المكونات.
• تفكك خطوط الفصل بين “نزاع داخلي” في السودان و”صراع إقليمي”، وتحوّل دارفور إلى صحن مركزي لحرب الساحل الكبرى.
لقد جذبت الحرب في السودان بالفعل آلاف المقاتلين من دول الجوار، سواء عبر التجنيد المالي المباشر أو عبر شبكات التهريب والعمل كـ”مرتزقة عابرون للحدود” في اقتصادات الحرب. تقارير بحثية تشير إلى أن جزءاً مهماً من مقاتلي الدعم السريع ينحدرون من قبائل عربية صحراوية تمتد من النيجر وتشاد ومالي وأفريقيا الوسطى حتى ليبيا، وأن كثيراً منهم قاتل سابقاً كمرتزق في ليبيا أو اليمن قبل أن يُعاد تدويره في حرب السودان.
كما تتحدث مصادر أممية وإقليمية عن مشاركة “مغامرين مسلحين” من مالي والنيجر وتشاد في النزاع السوداني، مدفوعين بوعود المال والذهب، في وقت تُقدَّر فيه أعداد بعض هذه التشكيلات العابرة للحدود بعدة آلاف موزعين بين ليبيا وتشاد والنيجر والسودان. هذا في قارة تعج أصلاً بتشكيلات مسلحة: من حركات دارفور، إلى الجماعات الجهادية في الساحل (مالي، بوركينا، النيجر)، إلى المليشيات الليبية، إلى الحركات المسلحة في أفريقيا الوسطى والكونغو وموزمبيق.
مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وامتداد عدم الاستقرار في القرن الأفريقي، يصبح الإقليم الممتد من البحر الأحمر إلى الأطلسي ممرّاً مفتوحاً للمرتزقة والمهربين والجماعات الإرهابية، بما في ذلك عودة أو إعادة تموضع مقاتلين ذوي خبرة من جبهات أخرى مرتبطة بالحزام الروسي (فاغنر وشبكات مشابهة) أو أميركا اللاتينية، في إطار سوق عالمية للحرب لا تعترف بالحدود.
إن هذا التشابك يهدد بتفكيك الجيوش الوطنية في دول المنطقة على مراحل:
• الجيش السوداني يُنزَف في حرب مدن واستنزاف مفتوح مع مليشيا كبيرة العدد والعدة.
• الجيش التشادي تحت ضغط داخلي حاد بعد حوادث الطينة وتورطه الحساس بين دعم حلفاء السودان وضبط حدوده ومنع تسرّب النزاع إلى عمقه الزغاوي.
• جيوش النيجر ومالي وبوركينا فاسو أصلاً في حالة إنهاك بفعل التمردات والانقلابات والعقوبات الدولية، ما يجعل قدرتها على ضبط حدودها مع ليبيا وتشاد والجزائر محدودة.
في ظل هذا الانهاك، تتسع مساحات “الفراغ الأمني” التي تستثمرها المليشيات والمهربون، ويتحوّل الساحل والصحراء إلى ممر ضخم للهجرة غير النظامية وتجارة البشر والسلاح والمخدرات في اتجاه المتوسط.
أرقام الهجرة غير النظامية عبر المتوسط أظهرت على مدى السنوات الماضية أن غرب أفريقيا والساحل أصبحا من أكبر مصادر التدفقات البشرية نحو أوروبا، ومع كل موجة حروب جديدة في السودان ودارفور والساحل، ترتفع أعداد الفارّين والباحثين عن ملاذ آمن.
أوروبا تحاول أن “تبعد النيران عنها” عبر عقود أمنية مع دول جنوب المتوسط، وتمويل قوى ساحلية لضبط الحدود، والتركيز على إدارة تدفقات الهجرة بدلاً من الاستثمار الجاد في إطفاء جذور الحرائق في السودان والساحل. لكن ترك حرب السودان تتفاقم، والاكتفاء ببيانات الإدانة بعد مجازر كالتي حدثت في الفاشر والجنينة ومحيطها، يكشف أن المجتمع الدولي لم يتعامل بعد مع هذه الحرب بوصفها تهديداً مباشراً لأمن المتوسط وأوروبا، لا بل مجرد أزمة إنسانية بعيدة.
حين تتوسع مساحة الأرض المحروقة من دارفور إلى تشاد والنيجر ومالي، وحين ينفرط عقد الجيوش الوطنية، وحين يصبح المرتزقة هم اللاعبين الأكثر تنظيماً وتسليحاً، فإن النتيجة الطبيعية هي عبور نيران أفريقيا للمتوسط، لا على شكل قوارب لاجئين فقط، بل أيضاً على هيئة شبكات عنف منظم، وتطرف مسلح، واقتصاد جريمة عابر للقارات. عندها لن يميز اللهب بين شمال وجنوب، وسيتحول البحر الذي أرادته أوروبا حاجزاً إلى جسر تعبره كل الفوضى التي ساهم صمتها في إنتاجها.
الهجوم على مستريحة اليوم ليس مجرد اعتداء على قرية، بل إنذار مبكر بأن مشروع تفكيك دارفور والسودان يمضي قدماً، وأن تجاهل هذه النار سيجعلها، عاجلاً أو آجلاً، تلتهم أطراف القارة ثم تصل إلى قلبها. تقبل الله شهداء مستريحة والطينة وسائر دارفور، وشفا الجرحى،
و”سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.
مهندس طارق حمزة زين العابدين






