رأي ومقالات

القبر رقم (323)

من أحاجي الشهيد ( ٢٨٦٣٧ ):
○ أ. محمد جعفر
القبر رقم (323)
د. النعيم يوسف عباس
ملازم عمر الفاتح تاية الله
وكيل عريف وليد محمد زايد دقنة
مجاهد قسم الله حماد مأمون
من خلال الصورة المنشورة لقبور شهداء المدرعات قرأت هذا الشاهد الذي عبّر عن طبيعة المعركة التي خاضها إخواننا في سلاح المدرعات، وهم يمثلون بدر السودان يوم الفرقان. فمن ضمهم القبر السعيد ضمتهم المدرعات أيضًا، لأنها كانت شاهداً آخر على العزة والكبرياء والإباء والصمود والجسارة.
لم تجمعهم قبيلة أو جهوية أو مناطق، ولم تجمعهم مهنة أو مكانة اجتماعية، بل جمعهم شيء أعظم من كل ذلك: حب الوطن، والغيرة على كرامته، والإيمان بعدالة القضية. وقبل ذلك كله جمعهم التوحيد لله وحده، فتوحدت قلوبهم كما توحدت خنادقهم في ميدان القتال.
كان من بينهم د. النعيم يوسف عباس، الأستاذ الجامعي في العلوم الشرعية، الفقيه العارف بدينه، الذي ترك قاعة الدرس ورفوف الكتب ليكون في صفوف المدافعين عن وطنه، مؤمناً أن العلم والدعوة لا ينفصلان عن نصرة الحق والدفاع عن الأرض والإنسان.
وبجواره في القبر ذاته ضابط شاب هو الملازم عمر الفاتح تاية الله، يمثل جيل الشباب من ضباط القوات المسلحة الذين حملوا المسؤولية مبكرًا، فكانوا في مقدمة الصفوف. ومعهما وكيل العريف وليد محمد زايد دقنة، أحد أبناء هذا الشعب البسطاء الذين حملوا السلاح بصدق وإخلاص، ثم المجاهد قسم الله حماد مأمون، الذي جاء بروح المجاهدين الذين آمنوا أن الدفاع عن الوطن عبادة ومسؤولية.
هكذا جمعهم الميدان، ثم جمعهم القبر.
قبر واحد، لكنه يحمل قصة وطن كامل.
قبر يختصر معنى السودان الحقيقي؛ السودان الذي لا يُبنى بالقبيلة ولا بالجهة ولا بالانتماء الضيق، وإنما يُبنى بوحدة الدم والمصير. ففي لحظة الفداء سقطت كل الفوارق، ولم يبق إلا اسم واحد: السودان.
إن اجتماع هؤلاء الشهداء في قبر واحد رسالة بليغة للأحياء قبل أن يكون ذكرى للراحلين؛ رسالة تقول إن الوطن أكبر من كل الانقسامات، وأن من ضحوا بأرواحهم لم يسألوا بعضهم: من أي قبيلة أنت؟ ولا من أي مدينة جئت؟ بل سألوا سؤالاً واحداً فقط: كيف نحمي هذا الوطن؟
سلامٌ عليهم في الخالدين،
وسلامٌ على أرواحهم التي ارتقت وهي تحمل همّ السودان وعزته.
نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء، وأن يجمعهم في ظلال جنته إخواناً على سررٍ متقابلين، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، وأن يلزمنا طريقهم، ويثبتنا على القيم التي مضوا من أجلها: الإيمان، والوطن، والوفاء.
فالأوطان لا يحفظها الكلام،
بل يحفظها رجالٌ كهؤلاء. 🤲🇸🇩