د. حسن محمد صالح يكتب: جلطة غير مسار رحلتنا!

جلطة غير مسار رحلتنا!
حمرة الشيخ (قريتي) الوديعة التي عشت فيها طفولتي وترعرعت ما بين تلالها وواديها المعروف بوادي كاروشة لشدة جريانه في موسم الأمطار. هذه القرية التي كانت تحتوي على متجرين صغيرين، أحدهما لرجل تعود جذوره إلى دارفور عمنا صديق الحاج عليه رحمة الله، وآخر هو عمنا حسن مكي من أبناء بارا. والثالث هو دكان ابن الفتيحاب وصديق أهل البادية عمنا أحمد سليمان رحمه الله.
وقد صارت الحمرا مدينة تعج بالمباني الحكومية، وعلى رأسها محطة الجمارك العريقة، والبيوت الحديثة، وسيارات الدفع الرباعي تجوب المدينة لتعبر عن تأثير معدن الذهب على حياة قطاعات كبيرة من أهل الحمرا. أما حمرا الشيخ في شقها البدوي الرعوي فتعاني من القحط الشديد والمحل، ونزوح أهل الثروة الحيوانية بحثا عن المرعى في دارفور وغيرها من النجع.
كنت رفقة صديقي وابن عمي الفريق بالشرطة حقوقي والمعتمد والوزير السابق إبراهيم حمد علي التوم عندما فاتحنا ناظر الكبابيش حسن التوم حسن التوم علي التوم في السفر معه من الحمرا إلى الولاية الشمالية تلبية للزيارة التي أدى رحيل والده الشيخ التوم لتأجيلها عن موعدها، وتقرر أن تقوم في هذا الوقت من مارس ٢٠٢٢م. وبعد الخروج من مدينة الحمرا توقف الناظر لزيارة ضريح جده الناظر علي التوم فضل الله سالم ١٩٠٠ إلى ١٩٣٨م، ويرقد إلى جواره ابنه الأكبر الشيخ التوم، الابن الأكبر التوم جد الناظر الحالي لأبيه، والشيخ محمد علي التوم الشهير بالمر، وغيرهم من الرجال والنساء الذين رحلوا عن هذه الفانية.
توجهنا شرقا، وفي أبو زعيمة انضم للوفد العمدة سوماك والعمدة أبو ستة والعمدة أبو عريف، بالإضافة للعمدة علي سالم صالح والعمدة محمد حامد أبو زهرة اللذين كانا ضمن الوفد، وبدأت رحلة جديدة من الإثارة والمعاناة مع الصحراء. وقد مثل وادي الملك بصموده في تلك الفيافي الجرداء منظرا سرياليا بديعا، وأبى إلا أن يحتفظ بخضرته وباسقات أشجاره من السيال والسنط والطلح، وهي مهددة بعوامل التعرية وعوامل أخرى سوف يأتي الحديث عنها لاحقا. كانت سياراتنا تنهب الصحراء الممتدة أمامنا كأنها الحرير، وقد ساهم الطقس البارد في سيرنا دون توقف، وأخذت الجموع تخرج لاستقبالنا على طول الطريق في الخشخاشة وعد أحمد والوعرة. كانت هتافات التكبير والتهليل والفرح بقدوم الناظر، وكانت الذبائح تنحر. وقد أمضينا ليلتنا الثالثة على هذا الطريق. وجهتنا الأساسية هي الولاية الشمالية، ولكن ما إن ظهرت سلسلة جبال العين من أمام ناظرينا حتى قرر الناظر الشاب حسن الذهاب إليها، فهناك قبر الشيخ صالح جلطة، وهناك تاريخ مهم وأحداث دامية خاضها الأجداد في ذلك المكان البعيد، والذي يحوي كثيرا من الأسرار، من بينها موقع نحاس الكبابيش الذي قام جلطة بتخزينه في الجبال الوعرة، ولم يكن أحد من الناس يعلم بمكانه إلا أمه. وقد تم تخزين النحاس ودفنه في قطع متفرقة، وقد عرف جبل العين بجبل النحاس، حيث يقول الشاعر البدوي:
شديدت فوقوا وبريت أبو سامه
فرشي وقربتي وزاد الخلا ورجاما
أنا وعزب الجمال أبو فقرة جمامه
كل ما مرة بي مربع رابطة فوقنا غمامة.
امتد سيرنا لأربع ساعات، وكنت أشد شوقا لزيارة هذا الموقع التاريخي، وقلت للناظر إن اغتنام فرصة الحضور لهذا المكان ذكرني بما أورده الدكتور عبد الله علي إبراهيم من ذهاب المرحوم موسى علي التوم إلى مصر بحثا عن آثار جده الذي عاش ودفن هناك. وللذين لا يعرفون الشيخ صالح جلطة فهو صالح فضل الله سالم، الأخ الأكبر للشيخ التوم فضل الله سالم الذي أعدمه المهدي، أو بالأحرى الخليفة عبد الله التعايشي، في منطقة خورطقت بالأبيض في العام ١٨٨٣م نتيجة وشاية. وبعد إعدام الشيخ التوم دخل صالح جلطة في حرب لا هوادة فيها مع المهدية، وانتقلت المعارك من أم بادر ووادي الملك إلى سلسلة جبال العين. وقد تولى أمر التصدي لصالح جلطة كبار قادة الدولة المهدية، وعلى رأسهم الخليفة عبد الله نفسه والأمير عبد الرحمن النجومي، لأن الشيخ صالح قد شكل خطرا حقيقيا على المهدية وجيوشها، وامتد أثره إلى خارج السودان عندما فكر في إحضار شحنات من الأسلحة والذخائر من مصر لمواجهة الدراويش. ويصف القس شارلس نيوفلد في كتابه سجين الخليفة اثنا عشر عاما أسيرا بأم درمان القافلة التي تحركت من وادي حلفا في العام ١٨٨٧م وهي تحمل السلاح للشيخ صالح بأنها مكونة من ٦٤ رجلا و١٦٠ جملا، ولولا أن حدثت خيانة أو سوء تدبير من الخبير لوصلت الأسلحة وتغير مجرى التاريخ، ولكن القافلة وقعت في كمين لقوات الأمير عبد الرحمن النجومي وتمت مصادرة السلاح.
وأخذ دور الشيخ صالح في التراجع بعد أن كان محط اهتمام تجار الصمغ العربي، والإبقاء على طريق القوافل مفتوحا في غرب السودان. يقول القس شارلز نيوفلد إن شقيق إلياس باشا أم برير قد فاتحه في أمر التعامل مع صالح وغيره من الشيوخ الذين يقومون بمضايقة الدراويش لتأمين التجارة ومشاركته في تسويق الصمغ العربي وتصديره عن طريق مصر كما كان في العهد التركي المصري.
وكان الخليفة عبد الله قد جند لمحاربة الشيخ صالح عددا من الزعماء مستغلا النعرات القبلية السابقة بين الكبابيش والقبائل الأخرى. يقول روبن نيللاند مؤلف كتاب حروب المهدية: (إن الخليفة عبد الله كان يشبه النموذج الغربي المتخيل للمقاتل الصحراوي، رجل طويل يشبه الصقر، يلبس ملابس واسعة، وجهه داكن نقش بآثار الجدري، نظرته جادة وفاحصة. وكما جاء على لسان أسراه الأوروبيين فإن طبيعته شكلت مظهره، فقد كان الخليفة شكاكا مستبدا وسريع الانفعال). أي إنسان يصطدم بالخليفة فهو لا ينتمي إلى هذا العالم بعد ذلك. وكان رد فعله على أي بادرة للتمرد دائما عنيفة وخالية من الرحمة. وقد كان معروفا حتى عند منتقديه أن الخليفة سريع البديهة واسع الفطنة شديد الانفعال. عندما أعلن اثنان من الخلفاء تشككهم في صحة خلافة عبد الله التعايشي تحرك ضدهم بسرعة. كان أحدهم هو الخليفة شريف، أحد أقارب المهدي، كان يمثل تهديدا حقيقيا لطموحات الحاكم الجديد. ولكنه كان من الغباء بحيث توجه للخرطوم مصحوبا بعدد كبير من الحراس تحت دقات طبول الحرب، فحدثت مواجهة مباشرة بينه وبين الخليفة عبد الله واستعراض للقوة من جهة أتباع الخليفة. أُرغم بعدها الخليفة شريف على الخضوع، فنزعت عنه رايته، وقبل بتوزيع رجاله على جيوش الأنصار، وقنع بمجموعة قليلة من الحرس لا تتجاوز الخمسين.
ومنافس آخر محتمل هو الأمير خالد زقل أمير دارفور الذي طورد عبر أراضي كردفان بواسطة قوات الخليفة عبد الله، وبأوامر منه إلى أن استسلم دون قتال، فأجبر على التخلي عن قواته وعلى دفع كميات كبيرة من الذهب فداء لنفسه. ولكن آخرين لم يكونوا محظوظين مثل خالد زقل، منهم صالح ود سليم شيخ قبيلة الكبابيش في شمال كردفان، وهي قبيلة من القبائل التي لم تنضم للمهدي، بل إن شيخهم قاوم المهدية وأرسل إلى المصريين طالبا منهم مده بالسلاح والذخائر. وقد أمسك رجال الخليفة بالتاجر الألماني كارل نوفلد الذي حضر ليناقش مع الكبابيش مسألة تسليم السلاح، فوضع في السجن المعروف ببيت الحجر بأم درمان مقيدا بالسلاسل لعدة سنوات، وكان محظوظا أن نجا من الإعدام. أما الشيخ صالح فلم يلاق تلك الرحمة، فطورد حتى أمسك به وقطعت رأسه وغرست على حربة بأم درمان، وأبيدت قبيلته. ولقي سبعون رجلا من البطاحين مصيرا أسوأ من سابقيهم، أمسكوا وذبحوا لا لسبب غير أنهم رفضوا النزوح إلى أرض خصصت لهم بواسطة الخليفة بعد أن نزعت أراضيهم.
وهكذا وقفنا على قبر الشيخ صالح وهو في مكان قفر، وليس حوله قبور ومدافن كما هو الحال مع قبة الشيخ علي التوم التي تزينها أبيات الشاعر محمد سعيد العباسي. ولكنه على أية حال شديد الوضوح، وقد كثرت الروايات الشعبية المحلية عن طريقة أسره على مقربة من مورد الماء الوحيد داخل السلسلة الجبلية الممتدة من الشرق إلى الغرب بلا نهاية. وقد سألت حسن التوم: كيف كنت تتصور هذه العين الجارية المعروفة بعين ود أم تنك؟ فقال لي: كنت أحسبه جبلا صغيرا في قمته قلة أو عين.
والأمر لم ينته بعد بالنسبة للأمير الصغير، والمنطقة أثرية، وتوجد بها مساكن وكهوف وخنادق لا أحد يعلم هل حفرها صالح جلطة ورجاله أم وجدوها قائمة واستخدموها؟ وهي في نفس الوقت مورد ومشرع لقبائل الكبابيش أم متو وغيرهم من السراجاب المنتشرين في الصحراء.
نواصل الحديث عن الرحلة بعد هذه الوقفة التاريخية مع الشيخ جلطة عليه رحمة الله.
د. حسن محمد صالح






