جنود أطفال على تيك توك… كيف تحولت مأساة السودان إلى مشهد رقمي يهدد جيلاً كاملًا

جنود أطفال على “تيك توك”… كيف تحولت مأساة السودان إلى مشهد رقمي يطبع العنف ويهدد جيلاً كاملًا
في بلد أنهكته ثلاث سنوات من الحرب ودفعت ملايين الأطفال إلى النزوح والجوع والمرض، تبدو مقاطع الفيديو التي يظهر فيها صبية يحملون بنادق كلاشنيكوف ويركضون وسط جثث متناثرة أكثر من مجرد محتوى صادم؛ إنها انعكاس مرير لكيفية تحول العنف إلى جزء من الحياة اليومية، وكيف أصبح الأطفال — الذين يفترض أن يكونوا ضحايا النزاع — مشاركين فيه، بل و“مؤثرين” على منصات التواصل الاجتماعي. فالمشهد الذي التُقط في بابانوسا بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، والذي وثّقته شبكة Bellingcat، يكشف عن ظاهرة تتجاوز حدود الحرب نفسها: تطبيع تجنيد الأطفال وتحويله إلى مادة مرئية قابلة للمشاركة والاستهلاك.
وتشير التحقيقات إلى أن العديد من هذه المقاطع صُوّر بواسطة الأطفال أنفسهم، مستخدمين هواتفهم المحمولة، قبل أن تنتشر على نطاق واسع عبر “تيك توك”. ويقول سيباستيان فاندرميرش، مراسل Bellingcat، إنه عثر “بالصدفة” على شبكة كاملة من الحسابات التي يديرها أطفال جنود، مضيفًا أن “ظهور الأطفال كمؤثرين في سياق الحرب يمثل ظاهرة جديدة تمامًا”. ويكشف هذا الاكتشاف عن تحول خطير في العلاقة بين التكنولوجيا والعنف، حيث لم تعد الحرب مجرد حدث يُوثَّق، بل أصبحت مساحة رقمية يتفاعل معها الأطفال بوصفهم جزءًا من سرديتها.
وتأتي هذه الظاهرة في سياق إنساني بالغ القسوة. فالحرب في السودان، التي تسببت في نزوح نحو 14 مليون شخص، دفعت أكثر من أربعة ملايين إلى الفرار خارج البلاد، بينما يعتمد 34 مليونًا — أي 65% من السكان — على المساعدات الإنسانية. ويؤكد كمال الدين بشير من منظمة “إنقاذ الطفولة” أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ يعانون من فقدان التعليم والرعاية الصحية، إضافة إلى سوء التغذية والانفصال عن أسرهم. ويقول إن “الأطفال غير المصحوبين بذويهم، وعددهم نحو 42 ألفًا، هم الأكثر عرضة للتجنيد”.
ويشير محمد عثمان، رئيس فريق التحقيق الأممي المعني بالسودان، إلى أن قوات الدعم السريع تجند “أعدادًا كبيرة جدًا من الأطفال”، وتستخدمهم في مهام تشمل حراسة الحواجز وجمع المعلومات. ويؤكد أن تجنيد الأطفال دون سن 15 عامًا يعد جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي، وهو ما يضع هذه الممارسات في إطار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
لكن التجنيد ليس سوى بداية مأساة طويلة. فالأطفال الذين يُطلق عليهم في الإنترنت لقب “أشبال الأسد” — وهو مصطلح استخدم في حروب سابقة في السودان وجنوب السودان وأوغندا — يعانون من صدمات نفسية عميقة تمتد آثارها لسنوات. ويقول بشير إن “ما يصل إلى 50% من الأطفال في السودان يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة”، بينما تكون النسبة أعلى بكثير بين الأطفال المجندين. وتتجلى هذه الصدمات في كوابيس، وتراجع دراسي، واضطرابات سلوكية، في ظل غياب شبه كامل للمرافق الصحية المتخصصة القادرة على التعامل مع هذه الحالات.
ويحذر فيكتور أوشين، مدير منظمة AYNET المتخصصة في علاج الجنود الأطفال السابقين، من أن تصوير هؤلاء الأطفال على أنهم “أبطال حرب” يفتح الباب أمام استغلالهم كأدوات دعائية. ويستند أوشين إلى تجربته الشخصية في أوغندا، حيث جُنّد شقيقه قسرًا من قبل “جيش الرب”، ليؤكد أن الصدمات غير المعالجة تنتقل عبر الأجيال، وتعيد إنتاج دورات العنف. ويقول: “حين يكبر الأطفال الذين شهدوا الحرب أو شاركوا فيها، يصبحون أكثر استعدادًا للرد بالعنف بعد سنوات”.
وتكشف هذه الشهادات عن أزمة تتجاوز حدود السودان، إذ تشير دراسة إقليمية أجرتها AYNET لصالح الاتحاد الأفريقي إلى أن المنطقة بأكملها تشهد حروبًا أهلية متكررة، يغذيها جيل نشأ على العنف وفقدان الأمان. وفي هذا السياق، يصبح انتشار مقاطع “تيك توك” التي يظهر فيها أطفال يحملون السلاح ليس مجرد ظاهرة إعلامية، بل مؤشرًا على تحول خطير في كيفية تشكل الهوية لدى جيل يعيش الحرب بوصفها واقعًا يوميًا.
وعندما واجه فاندرميرش منصة “تيك توك” بهذه المقاطع، كان ردها بطيئًا، إذ بقيت الحسابات نشطة لمدة 48 ساعة قبل إغلاق بعضها، بينما ظهرت حسابات جديدة بعد ذلك بوقت قصير. ويعكس هذا التباطؤ فجوة كبيرة بين سرعة انتشار المحتوى العنيف وبين قدرة المنصات على التعامل معه، في وقت تتحول فيه التكنولوجيا إلى مساحة تُعاد فيها صياغة الحرب بطرق قد تُطبع العنف وتعيد إنتاجه.
وفي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تبدو هذه الظاهرة جزءًا من مأساة أكبر: جيل كامل يُدفع إلى الحرب، ثم يُترك ليواجه صدماتها وحده، بينما تتحول معاناته إلى محتوى رقمي يتداوله الملايين دون أن يغيّر ذلك شيئًا في واقعه.
الانتباهة





