رئيس الملتقى العالمي للتصوف: التصوف يصنع الإنسان والمواطنة تبدأ من الأخلاق

اختتمت في مداغ، بإقليم بركان، فعاليات الدورة الحادية والعشرين من الملتقى العالمي للتصوف، الذي احتضنته الزاوية الأم للطريقة القادرية البودشيشية، بمشاركة واسعة من علماء وباحثين ومفكرين وشخصيات صوفية من العالم العربي وإفريقيا وأوروبا وآسيا، في دورة اتسعت فيها دائرة النقاش من مفهوم الإرث النبوي والتزكية إلى قضايا بناء الإنسان، والمواطنة، والشباب، والتعايش، والدبلوماسية الدينية، والمسؤولية الأخلاقية، وحملت الدورة شعار: «إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي: رهانات التزكية وتحقيق نموذج قيمي حضاري لترسيخ الحياة الطيبة»، فيما عكس البرنامج انتقالًا واضحًا من الحديث عن التصوف بوصفه تجربة روحية إلى بحث وظائفه الاجتماعية والإنسانية والحضارية.
وفي حواره لروزاليوسف، أكد الدكتور مولاي منير القادري بودشيش رئيس ملتقى التصوف العالمى ورئيس القرية التضامنية، أن وظيفة التربية الصوفية لا تنتهي عند إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه، وإنما تمتد إلى إصلاح علاقته بالإنسان والمجتمع والوطن. وإلى نص الحوار..
بعد انتهاء الدورة الـ21.. ما الذي أردتم أن تقوله مداغ للعالم؟
أردنا أن نقول إن الإرث النبوي ليس مجرد ذاكرة نحتفي بها، وإنما أمانة يجب أن تتحول إلى قيم حية في واقع الناس، فالاحتفاء بالمولد النبوي الشريف ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد الصلة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ليس فقط بالمحبة والذكر، وإنما كذلك بالاقتداء بأخلاقه ومنهجه في الرحمة والتسامح والإحسان وخدمة الإنسان.
ولهذا جاءت محاور الملتقى متدرجة من الإرث النبوي إلى التزكية، ومن التزكية إلى بناء الإنسان وإصلاح المجتمع، ثم إلى الشباب والمواطنة والتعايش والمسؤولية الأخلاقية.
إذن أنتم تنظرون إلى التصوف باعتباره مشروعًا لبناء الإنسان؟
نعم، وهذه هي القضية الأساسية، التصوف في جوهره تربية للإنسان، والتربية ليست مجرد معلومات أو مواعظ، وإنما بناء تدريجي للشخصية.
نحن نريد إنسانًا يعرف كيف يضبط نفسه، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحول القيم التي يؤمن بها إلى سلوك، إذا خرج الإنسان من تجربته الروحية أكثر صدقًا وأمانة ورحمة وإحسانًا إلى الناس، فهذا يعني أن التربية أثمرت، أما إذا بقيت الروحانيات منفصلة عن السلوك، فإننا نكون أمام معرفة لم تتحول إلى عمل.
كثيرًا ما يُطرح سؤال: ماذا يقدم التصوف للمجتمع؟
التصوف يقدم الإنسان الصالح، وهذا في حد ذاته خدمة كبيرة للمجتمع.. عندما نربي إنسانًا على الأمانة، فإنه يصبح أمينًا في عمله، وعندما نربيه على الرحمة، فإنه يكون رحيمًا بأسرته وجيرانه ومجتمعه، وعندما نربيه على احترام الآخر، فإنه يصبح عنصرًا في ترسيخ السلم الاجتماعي.
لذلك لا ينبغي أن نقيس التصوف فقط بعدد المجالس أو الحضور في المناسبات، وإنما بما تنتجه التربية من إنسان صالح ونافع.
تستخدمون أحيانًا تعبير «مصانع الرجال» في الحديث عن التربية.. ماذا تقصدون بذلك؟
المقصود هو صناعة الإنسان القادر على تحمل المسؤولية، الرجل الذي نعنيه هو الإنسان الذي يمتلك قوة داخلية، وضميرًا حيًا، وقدرة على ضبط النفس، والاستقامة، والعمل، وخدمة الآخرين.
نحن نحتاج إلى الإنسان الذي إذا وُضع في موقع مسؤولية أدى الأمانة، وإذا كان في أسرته كان رحيمًا، وإذا كان في مجتمعه كان نافعًا، وإذا كان في وطنه كان مواطنًا صالحًا..وهذه الصناعة لا تتم في يوم واحد؛ إنها تربية طويلة، تبدأ من إصلاح القلب والنفس، ثم تنتقل إلى السلوك والعمل.
وهل الزاوية اليوم مجرد مكان للذكر والتربية الروحية؟
الزاوية مؤسسة للتربية، ولكن التربية الحقيقية لها ثمار اجتماعية، حين يتعلم الإنسان المحبة، يجب أن تتحول المحبة إلى خدمة، وحين يتعلم التضامن، يجب أن يظهر التضامن في حياته، وحين يتعلم الرحمة، يجب أن يجد المجتمع أثر هذه الرحمة.
ولهذا فإن العمل الخدمي والتضامني ليس منفصلًا عن التربية، وإنما هو أحد وجوهها العملية.
كيف يمكن أن يتحول التصوف إلى فعل اجتماعي وليس فقط خطابًا روحيًا؟
عن طريق خدمة الإنسان، هناك فرق بين أن نتحدث عن الفقير، وبين أن نساعده، وهناك فرق بين أن نتحدث عن الشباب، وبين أن نرافقهم ونساعدهم على بناء مستقبلهم، وهناك فرق بين أن نتحدث عن القيم، وبين أن نقدم نموذجًا حيًا لهذه القيم.
نحن نؤمن بأن خدمة الناس من أبواب القرب، وأن التضامن الاجتماعي تعبير عملي عن الرحمة التي ندعو إليها.
ماذا عن علاقة التصوف بالمواطنة؟
المواطنة تبدأ من الأخلاق، المواطن الصالح هو الذي يعرف حقوقه وواجباته، ويحترم الآخرين، ويحافظ على مجتمعه، ويؤدي عمله بإخلاص، ويحترم النظام والقانون، ويشعر بأن له دورًا في بناء وطنه.
والتربية الروحية تستطيع أن تسهم في بناء هذا النوع من الإنسان لأنها تربيه على المسؤولية والانضباط ومراقبة الذات، ولهذا كان من المهم أن يناقش الملتقى موضوعات المواطنة والشباب والتحولات الرقمية، فالرسالة الدينية لا يمكن أن تكون منفصلة عن واقع الإنسان.
البرنامج تضمن محورًا عن الشباب والفضاء الرقمي.. لماذا؟
لأن الشباب يعيش اليوم في فضاء مختلف، الهاتف والمنصات الرقمية أصبحا جزءًا من حياة الإنسان، ولذلك يجب أن نصل إلى الشباب في هذا الفضاء، وأن نقدم لهم خطابًا يجيب عن أسئلتهم ويحمي وعيهم من التضليل والتطرف والكراهية.
المهم ألا نترك الشباب وحدهم أمام كل ما يُنتج على الإنترنت نريد أن نحافظ على القيم، لكن علينا أيضًا أن نعرف كيف نقدمها بلغة العصر.
وهذا يتفق مع البرنامج الذي خصص جلسة كاملة للإرث النبوي في الفضاء الرقمي، وتحديات التلقي، والشباب، والمواطنة والتحولات المعاصرة.
هل يستطيع التصوف مواجهة التطرف؟
مواجهة التطرف لا تكون فقط بالرد عليه بعد ظهوره، وإنما تبدأ بالتربية، حين نربي الإنسان على الاعتدال، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، والمحبة، والحوار، فإننا نبني داخله مناعة ضد خطاب الكراهية.
التصوف يستطيع أن يسهم في ذلك من خلال التربية على الاعتدال والتوازن، لكن يجب أن يعمل إلى جانب المؤسسات العلمية والتربوية والاجتماعية، لأن مواجهة التطرف مسؤولية مشتركة.
الملتقى ناقش أيضًا الدبلوماسية الدينية وخدمة الإنسان الإفريقي.. أين ترى دور التصوف في هذا المجال؟
التصوف يمتلك لغة إنسانية تستطيع أن تصل إلى الناس لأنها تقوم على الرحمة والمحبة والتعارف، والقارة الإفريقية تحتاج إلى خطاب يعزز التعاون والتعايش والاستقرار، وإلى جسور ثقافية وروحية تفتح المجال للتقارب بين الشعوب.
ولهذا ناقشنا في الملتقى الدبلوماسية الدينية، والقوة الناعمة، والأمن الروحي، وخدمة الإنسان الإفريقي، فالرسالة الروحية عندما تتحول إلى خدمة وحوار يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب.
وقد خصص برنامج الدورة بالفعل جلسة للدبلوماسية الدينية والرؤية التزكوية لخدمة الإنسان الإفريقي، مع مشاركات وبحوث تناولت النموذج الديني المغربي والدبلوماسية الروحية والأمن الروحي في إفريقيا.
وماذا عن التعايش بين الأديان والثقافات؟
نحن نعيش في عالم متداخل، ولا يمكن لأي مجتمع أن يعيش منعزلًا عن الآخر، والاختلاف بين البشر سنة من سنن الله، لكن المطلوب هو أن يتحول الاختلاف إلى تعارف وحوار، لا إلى صراع.
منهج التصوف يقوم على تهذيب النفس، ومن هذب نفسه أصبح أكثر قدرة على احترام الآخرين، ولهذا فإن الحوار بين الأديان والثقافات ليس ترفًا، وإنما ضرورة لبناء السلام.
بعد 21 دورة.. كيف تقيمون تجربة الملتقى العالمي للتصوف؟
نحن لا ننظر إلى الملتقى باعتباره حدثًا ينتهي بانتهاء جلساته، الأهم هو ما يتركه من أفكار، وما يفتح من أبواب للتعاون، وما يقدمه من إجابات للأسئلة التي يعيشها الإنسان.
كل دورة يجب أن تكون إضافة إلى مسار التزكية والفكر والحوار وخدمة الإنسان، والحضور العربي والإفريقي والأوروبي والآسيوي يؤكد أن الحوار حول التصوف والإرث النبوي لم يعد محصورًا في نطاق جغرافي واحد، فالأسئلة واحدة وإن اختلفت اللغات والثقافات.
أحمد قنديل – بوابة روز اليوسف






