رأي ومقالات

محمد قسم الله : ثورة أكتوبر .. اكذوبة أكتوبر

[JUSTIFY][SIZE=5]وبعد نصف قرن كامل لا يزال العقل الجمعي للسودانيين ينظر لثورة أكتوبر بقداسة تُضاهي قداسة عِجْلِ بني إسرائيل، ولا يزال السامريُّ فينا ينفخ جذوة القداسة في معبد اكتوبر كل حين رغم تطاول السنوات، وما أن يأتي شهر أكتوبر كل عام إلا وتستتبعه أساطير الأكتوبريات وإجترار الحكايات القديمة التي تتضخم في ذات الراوي فتبدو كل مرة جديدة مثل إلياذة هوميروس.
هكذا هي ثورة أكتوبر عند الأكتوبريين جيل البطولات (توتم) غير قابل للجرح والتعديل ولا للنقد والتحليل، ولستُ في موقع المؤهل لمحاكمة ثورة اكتوبر وجرد حسابها، لكنني أرجو أن ألقي حصاة في نُهيْر الثورة الأكتوبرية. حيث تتوالد الأجيال الجديدة وتنمو وتجد خلفها شيئاً ضخماً تسمع عنه في روايات التاريخ بطولات مقدسة ممنوعة من الإقتراب والتصوير، تماماً مثل كرري تُحدِّث عن رجال كالأسود الضارية خاضوا اللهيب وشتتوا كُتل الغزاة الباغية.. أخذتْ الحماسة شاعرنا عبد الواحد عبد الله وذهب بعيداً عن وقائع الحقيقة حين صوَّر مشهداً دراماتيكياً موغلاً في الفنتازيا ومجافياً للواقع. كرري لم تكن غير مجزرة ارتكبها الإنجليز في حق السودانيين العُزَّل.. وكانت مواجهة غير متكافئة بين سيوف العشر والبارود.لكننا رسمناها في مخيلتنا الشعبية والعقل الجمعي كما نشتهي نحن بطولة ونصر كبير.
أنا على يقين أنّ مجرد الحديث بنقد عن ثورة أكتوبر يبدو في نظر البعض كمعاقرة الكبائر، لكن هل تُراها اكتوبر مثل صحن الصيني لا شق لا طق مثل إستقلالنا الذي منحنا له الإنجليز ملفوفاً بورق السوليفان؟ هل كانت فعلاً ثورة بمعني الثورة؟ أم استولدتها الصدفة السعيدة؟! هل جاءت أكتوبر بتخطيط دقيق أم حملتها الأحداث المتوالية وقتها ؟! هل كان يتوقع الترابي من مخاطباته في الجامعة أن تؤتي ثمراتها بخروج الشارع؟ هل كانت التيارات السياسية تتوقع تنحي عبود عن السلطة ببساطة؟ أم كانت تتوقع مواجهات عسكرية مع الجيش؟ ولماذا ذهب عبود بإرادته بعد فترة حددها هو؟ ولماذا تنازل المجلس العسكري عن السلطة؟ ولماذا هتف الناس لعبود في (زنك الخضار) ضيعناك وضعنا وراك يا عبود؟؟!! لماذا لم يأتي الترابي رئيس وزراء؟ ولماذا جاءوا بسر الختم الخليفة من الصفوف الخلفية؟ هل كانت صفقة سياسية وحل وسطي؟ ولماذا تراجع سر الختم الخليفة من موقع رئيس الوزراء إلى مواقع متأخرة في فترات لاحقة؟ هل مات القرشي بسبب المواجهات العسكرية أم أنها رصاصة طائشة لطالب لا ناقة له ولا جمل فيما يدور؟ لماذا استثمروا موت القرشي وكأنها معركة مات قائدها بسلاح كفار قريش؟ وماذا لو لم تصب الرصاصة القرشي في حرم الجامعة؟؟ هل كان الشارع سيشتعل والجامعة ستشتعل؟ ومتى غني محمد الامين وأم بلينا السنوسي نشيد الثورة من أشعار هاشم صديق؟ أثناء الثورة لتجييش الشارع أم بعد الثورة كتضخيم إعلامي؟ هل أعدوا النشيد ومثيلاته _ باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني_ أقول هل إدخروا الأناشيد سلفاً لثورة لها سيناريو وموسيقى تصويرية مثل المسلسلات والأفلام العربية؟ عشرات الأسئلة التي تجعل الذي يقرأ عن ثورة اكتوبر يدرك انها أتت ولكن لا تدري من أين اتت وجدت طريقها فمشت.. هكذا كرواية أيليا ابوماضي في الطلاسم.. جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ .. ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيتُ .. وسأبقى ماشياً إنْ شئتُ هذا أم أبيتُ .. كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري.
جاءت اكتوبر ولا تدري من أين جاءت ولذلك حين خطفها المختطفون لم تجد من يدافع عنها، بقيتْ اكتوبر كالطلاسم لم تجد من يفكفك أسرارها ويسبر أغوارها من مجايليها الذين اكتفوا فقط بنظرتهم المرتبطة بالنوستالجيا ولذلك ظلت اكتوبر عندهم تمثل كل جميل. كما لم تجد أكتوبر الثورة من يبحثها من المؤرخين المعاصرين ليقدم تحليلاً ونقداً منهجياً من واقع يومياتها ومجرياتها حتى نهاياتها ليظل السؤال المحوري المحير هل كانت اكتوبر مبرأة من كل عيب.؟؟!!
وترك محمد المكي ابراهيم برتقالته ورحيقها كشأن المثقفين حين يتهافتون على السلطة فتصنعهم الأحداث ولا يصنعونها وأنشد الحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني.. لكن الحقول لم تشتعل لا قمحاً ولا وعداً ولا تمنِّي.. لقد إشتعلت الساحة بعد اكتوبر بالصراعات السياسية والحرب الباردة بين القوي الحديثة (جبهة الهيئات) والقوي التقليدية (الجبهة الوطنية) وناطح الصادق المهدي الزعيم المحجوب حتي ترك له رئاسة الوزارة وهو دون الثلاثين بعد أن أوجدوا له دائرة في أعالي النيل الأبيض بها يدخل للبرلمان في طريقه للرئاسة.
وحينما جاءت أكتوبر الثورة المزعومة لم تكن تحمل الإرادة السياسية ولا التفويض الشعبي الكافي الذي يتيح لها القبض على الرئيس عبود وإلقائه في سجن كوبر كما تفعل الثورات ولم تستطع حتى إقالة المجلس العسكري ببيان على رؤوس الأشهاد تحمله موجات الإذاعة السودانية، تنازل المجلس العسكري وبقى الرئيس عبود رئيساً للثوريين الجدد حتي ثلث الشهر من نوفمبر ثم خرج من القصر الجمهوري إلى منزله حيث إستقبلته الجماهير في الأسواق (ضيعناك وضعنا وراك يا عبود) حين رأي الناس عبث الأحزاب وفشلها القديم، وعبود نفسه لم يأتي من مكتبه على ظهر دبابة لحكم البلاد إلا عندما سلمها له الأميرلاي عبد الله خليل سكرتير حزب الامة في العام 1958م نكاية في الآخرين قائلاً( البلد فيها فوضى).
لم تُنجب ثورة أكتوبر العظمي دولة عظمى ولم تؤسس للدولة المدنية كما فعلت الثورات الحقيقية في فرنسا وعند البلاشفة مع الفارق بطبيعة الحال بل أنجبت أكتوبر صراعاً عظيماً على السلطة ولم تصمد مُخرجات أكتوبر أكثر من ثلاثة أعوام وانهارت لأنَّ النتائج بمقدماتها.
غير أنّ أزمة منتصف الستينات التي انتهت بثورة مايو وفشل الحكومات الحزبية في الديمقراطية الثانية تزيد المرء قناعة على أنّ ثورة اكتوبر لم تكن تحمل برنامجاً سياسياً ولا وطنياً لقضايا الحكم والإدارة والإقتصاد وإلا ما كانت تنتهي كفقاعة صابون في عامها الأول بعد فترة سر الختم الخليفة وعودة الطوائف والأحزاب والفشل المزمن، وفشلت اكتوبر في تأسيس قاعدة إنطلاق وفق معطيات جديدة ومستديمة تحمل للبلد إستشراف المستقبل، وغرقت في بحر متلاطم من الصراعات ودعاوي التطهير واجب وطني وتلك أكبر سوءات الثورة الوليدة التي راح ضحيتها الآلاف وفتحت الباب لنظريات الولاء.
كان المأمول من اكتوبر الثورة أن تختط للسودان نموذجاً لديمومة الحكم وانتقاله بيسر للمصلحة الوطنية، لكنها لم تفعل ولن نسأل لماذا لم تفعل؟!!فأنا أدري وأنت تدري وأبكر العجلاتي يدري.
أخيراً لم تكن اكتوبر غير تضخيم للذات كدأبنا دائماً (نحنا الساس ونحنا الراس) .. لم تكن اكتوبر غير أكذوبة أطلقناها وانطلت علينا قبل الآخرين.. لم تكن أكتوبر غير مجموعة احداث تزامنت خبط عشواء قابلها الفريق عبود والمجلس العسكري بهدوء يحسدون عليه وبنبل يحسدون عليه حين تنازلوا بكامل طوعهم واختيارهم وذهبوا لبيوتهم مشكورين معززين مكرمين وكان يمكنهم إستخدام السلاح وضبط الشارع.. نعم لم يكن عبود يرغب في الحكم ولم يكن المجلس العسكري يرغب في الإستمرارية وإلا لما تنازلوا بهذه البساطة.
لم تكن اكتوبر شيئاً مذكوراً بعد عامين من قيامها حين قام الصادق بإبعاد المحجوب من رئاسة الوزارة وهو دون الثلاثين حتى أضطر البرلمان غير باغٍ ولا آثم لتعديل الدستور بأمر الجمعية التأسيسية حتى يحكم الصادق المهدي ويذهب المحجوب غير مأسوف عليه وتلك من مبادئ الثورة المسنودة بالقداسة والوراثة.
نقرأ ونسمع عن أكتوبر فتبدو لنا كفعل متكامل تفتَّق عن عبقرية أسطورية لكنها في واقع الأمر لم تنتج لنا منتوجاً سياسياً يُعتدُّ به في إدارة الشأن السياسي لا سابقاً ولا لاحقاً ولذلك لا تعدو أكتوبر أن تكون على الأقل من وجهة نظري مثل (العُصَار) الذي يَهُبُّ فجأةً وينتهي فجأةً و(يكتحنا) بالغبار و(الكنداكه)، جاءت أكتوبر وجاءت جبهة الهيئات والجبهة الوطنية وشعار تلك المرحلة التطهير واجب وطني التي أرستْ أول سابقة (لمرافيد الحكومة) ثم ذهب سر الختم الخليفة لقواعده سالماً واصطرع القوم حيناً من الدهر حتي جاء النميري من حيث لا يحتسبون وبقيت أكتوبر في دفتر التاريخ عنواناً لدرس يحتاج للتنقيح.

ثورة أكتوبر.. أُكذوبة أُكتوبر!!
بقلم/ محمد قسم الله محمد إبراهيم*
[email]Khaldania@yahoo.com[/email][/SIZE][/JUSTIFY]

‫5 تعليقات

  1. صدقت، ثورة بدأ بها إهتزاز الحكم في السودان ودارت عجلة الديموقراطية الفاشلة والعسكريتاريا القابضة، وما زال السودان ( طفلاً يحبو) وسبقه أنداده الذين علّمهم كيفية التحرُر من ربقة الإستعمار. وأسفااااااااااااه

  2. كلامك صاح يا مان .. كنا صغار لما نسمع الأساطير المجانية البوزعوا لينا فيها ناس هاشم صديق ووداللمين تجري دموعنا انهاراً افتخاراً بأجدادنا العظماء الذين صنعوا أعظم الثورات .. شوية شوية بدينا نقرا ونعرف قامت كيف والقرشي عليه رحمة الله مات كيف لقينا الشغلانةتدخلوا في السيناريو بتاعها بعض الزلنطحية أصحاب الخيال الواسع
    تسلم على الطرح .. لكن صدقني ما ح تسلم من المنظراتية

  3. [SIZE=4]بلا اكتوبر بلا بطيخ …

    لو استمر حكم عبود 5 سنوات أخرى لأصبح السودان شيئا آخر.. مثال بسيط، شارع المعونة كان من المفترض أن يتجه شمالا من الخرطوم الى |أن يصل حلفا، ولكن توقف بعد اكتوبر عند مدينة الجيلي شمال الخرطوم ب 45 كيلو متر، توقف لمدة 25 سنة، عانى فيها سكان الشمالية (الكبرى) الأمريّن، الا جاءت الانقاذ لتوصله (بي خروج الروح) حتى شندي فقط، الى أن جاء النفط وامتدت الطرق وتشعبت.[/SIZE]

  4. جزاك الله خيراً على هذا الطرح الصادق. نعم إن هذا الحادث ولا أقول الثورة ماهو إلا فقاعة صابون، ما هو إلا تخطيط منظراتية حالمين وكان لهم ما أرادوا حينما جيروا الأحداث لصالح تنظيراتهم الهلامية غير المدعومة لا بالتخطيط ولا بالإعداد المسبق. ولكن نلقي باللوم على حكومة المرحوم عبود التي طالما أنها قررت التسليم، فعلى الأقل كان يجب أن تطلب من “الثوار” برنامجاً للتغيير يضمن المضى إلى الأفضل..

  5. تأريخ السودان الحديث يحتاج لدراسات عميقة بعيدة عن العواطف و الشعارات نحن جيل اتى بعد اكتوبر و تشبعنابكثرة اشعارها و اغانيها و ما يردد عنهاو لكن في رأي ما هي الا اسطورة سطر لها السياسيون و برعوا في ذلك و حتى الآن لم أجد ما يسئ إلى حكم عبود سوى انه حكم عسكري و ماذا جنينا من الديمغراطيات الزائفة حتى صرت اميل إلى تصديق ما يثار عن انها نتجت عن تدخل خارجي نتيجة إلى قرار حكومة عبود بتحديد عدد المبشرين الاجانب في الكنائس
    ارجو ان تتم كتابة تأريخ السودان بصورة حقيقية بعيدة عن التهريج و شكراً للكاتب على اثارة الموضوع