ولاة الولايات.. تناقض الانتخاب وسحب الثقة

قضية الولاة كانت واحدة من أكثر النقاط الموصوفة بالساخنة للقوى السياسية لدى مناقشة قانون الانتخابات مؤخراً.. المشهد حالياً يقول بأن ثمة تعديلاً دستوريَّاً جديداً قادماً في الطريق بعد أن نصَّ القانون على إعادة انتخاب الولاة مباشرة من قبل الناخبين، استجابة لتوصية الحوار الوطني..
ملف الولاة شهد أيضاً تجديد نص المادة الخاصة بعزلهم من قبل المجلس التشريعي في القانون المجاز مؤخراً.
قبيل الانتخابات الماضية، قرر المؤتمر الوطني أن يتم تعيين الولاة من قبل رئيس الجمهورية مباشرة بدلاً عن انتخابهم، وشرع في توفيق رؤيته دستورياً، مبرراً اللجوء لخيار التعيين بدلاً عن الانتخاب المباشر إلى أن التجربة الانتخابية للولاة أفرزت آثاراً سالبة على الحياة الاجتماعية وأشعلت التنافس القبلي والمناطقي بصورة مزعجة.
لماذا كان التعيين؟
المؤتمر الوطني اضطر للالتزام بتوصية الحوار والتنازل عن أمر الولاة بعد أن أجرى تصويتاً سابقاً بالبرلمان لصالح تعديل دستوري يعطي رئيس الجمهورية حق اختيار الولاة بدلاً عن انتخابهم، في محاولة منه آنذاك لمعالجة بعض الأزمات التي طرأت على مستوى هياكل الحكم الولائي والاتحادي.
الحكومة واجهت في وقت سابق أزمة مع والي النيل الأزرق المعزول مالك عقار إير واضطرت لاستخدام صلاحية الطوارئ عقب إعلانه ما يوصف بالتمرد في النيل الأزرق، ذات الأمر لجأت إليه الحكومة بعد سنوات لاحقة عقب تفجر أزمة القضارف فاضطرت قيادة الحزب والدولة ممثلة في النائب الأول السابق علي عثمان لاستدعاء والي القضارف كرم الله عباس وإرغامه على الاستقالة لتجنيب الولاية مسألة الطوارئ، كما لجأ مرة ثالثة لإقالة والي الجزيرة الأسبق د. الزبير بشير طه..
وطبقاً لمحللين مقربين من دوائر الحزب الحاكم، فإن هذه الأسباب، بالإضافة إلى مشكلات أخرى لم تظهر على السطح، حرص المؤتمر الوطني على أن يكون خيار تعيين الولاة قائماً، لا سيما وأن القبلية كانت من أبرز الأسباب التي أدت للعدول عن فكرة الانتخابات وإعطاء رئيس الجمهورية حق تعيين الولاة، وكانت القبلية قد طالت بصراعاتها المؤتمرات العامة للحزب قبل الانتخابات الماضية. كثيرون من أنصار الوطني يرون أن هذه الأسباب ما تزال قائمة، لكن الحزب الحاكم وجد نفسه محاصراً بتوصيات الحوار التي أعلن مراراً التزامه بها.
مخاوف وتأييد
انتخاب الولاة اصطدم بقضية عزل الولاة المنتخبين من قبل المجالس التشريعية، وهو ما أثار جدلاً ومخاوف وتأييداً في آن واحد.
المتخوفون يذهبون إلى أن عزل الوالي من قبل المجالس التشريعية من شأنه أن يفتح الباب أمام مزيد من الصراعات والصدامات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في مستوياتها المحلية، ويرى أصحاب هذه النظرة أن الصراعات التي احتدمت مؤخراً في ظل سيطرة الوطني على أغلبية المجالس التشريعية والولاة، أنتجت الكثير من الخلافات في النيل الأبيض الجزيرة والقضارف وكسلا والبحر الأحمر، ويتوقعون إمكانية استخدامها -أي المجالس التشريعية بشكلها الجديد- كإحدى أدوات حسم الصراع المؤدية للإضرار بمخرجات العملية الانتخابية.
في المقابل، هناك من يرى أنه حق طبيعي متعارف عليه في عدد كبير من الدول التي تقوم على توازن السلطات، ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن حق عزل الوالي من قبل المجالس التشريعية إحدى الوسائل الديمقراطية القائمة على الفصل بين السلطات وتمكين المجالس التشريعية من ممارسة حقها الرقابي وإشعار السلطة التنفيذية بأنها مراقبة، مما يجعل السلطة التنفيذية حريصة على أداء عملها بشكل أفضل بكثير من شعورها بأنها سلطة مطلقة.
أنصار نظرية المؤامرة يذهبون إلى أن اصطدام الوالي المنتخب بمجلس تشريعي يمكنه أن يعزله، محاولة من الوطني للتحايل أو تخفيف درجة الضغوط التي مورست عليه من قبل القوى السياسية حول قضية كان يرفض ابتداءً أن تخضع برمتها للانتخاب المباشر. لكن أمين العلاقات السياسية بالمؤتمر الوطني د. عمر باسان ينفي ذلك في حديثه لـ(السوداني) أمس، ويذهب إلى أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي مستجدات طرأت أثناء مناقشة القانون بين الوطني والأحزاب السياسية، وأضاف: “هذا النص موجود منذ عام 2005م”.
وأوضح باسان أن عزل الوالي من قبل المجلس التشريعي يأتي وفق ما يُعرف “بتوازن السلطات” حتى لا تكون سلطة الوالي المنتخب من قبل الجمهور مطلقة، باعتبار أن المجلس التشريعي هو من يراقب أداء الوالي وحكومته.
ويرى باسان أنها مسألة قانونية تتعلق بالحكم الفدرالي في كثيرٍ من دول العالم وليست خاصة بالسودان وحده، وأضاف: “كنا نرى أيضاً أن يتم عزل الوالي من قبل المجالس التشريعية ورئيس الجمهورية بجانب حقه في استخدام الطوارئ باعتباره صاحب السلطة الأعلى”.
موافقة مشروطة
وبرغم إجازة قانون الانتخابات وتوقعات بسريان نصوصه عقب مصادقة رئيس الجمهورية عليه، إلا أن مجموعة الأحزاب المنسحبة من إجازة القانون ترى في هذه المسألة التفافاً من قبل المؤتمر الوطني، ويذهب النائب البرلماني عن حركة الإصلاح الآن د. فتح الرحمن فضيل في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أن المسألة الخاصة بعزل الولاة من قبل المجالس التشريعية كان يمكن لها أن تمر بموافقتهم إن عرضها عليهم المؤتمر الوطني ولكن بشرط تحديد نسبة عدد الأعضاء التي تُمكِّن أي مجلس تشريعي من عزل الوالي بجانب صياغة قانونية واضحة تبين الأسباب التي تستدعي ذلك. ويؤكد د. فضيل أن هذه الجزئية لم تكن مطروحة في المسودة الأولى من القانون، وكان الوطني قد عرض أن يتم انتخاب الوالي من قبل المجالس التشريعية، وأضاف: “بعد رفضنا لذلك وإصرارنا على الانتخاب المباشر للولاة، فوجئنا بموافقة الوطني على ذلك مع وضع نصٍّ خاصّ بعزل الولاة من قبل المجالس التشريعية”.
ويرى د. فضيل أن الوطني أراد أن يسحب من القوى السياسية بيده اليسرى ما يعطيه باليمنى، وتابع: “المادة بهذا الشكل كيدية وسوقية وتمكن أي عدد من أعضاء المجالس التشريعية من الجلوس ليلاً وعزل الوالي صباحاً”.
الخرطوم: عبد الباسط إدريس
صحيفة السوداني.






