النيلين
عالمية

عزل ترامب يخلط الأوراق بين الجمهوريين والديمقراطيين


سيصبح دونالد ترامب رسمياً اليوم الأربعاء ثالث رئيس أميركي يواجه العزل في الكونغرس، بعد تصويت متوقع في مجلس النواب يحيل ملف المحاكمة إلى مجلس الشيوخ ويدخل البلاد في مرحلة جديدة من المعارك التشريعية يستفيد منها صقور اليسار واليمين في الحياة السياسية الأميركية. إقرار مجلس النواب ذات الأغلبية الديمقراطية لإجراءات العزل يخلط الأوراق داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وسيكون له تداعيات جوهرية على السباق الرئاسي الأميركي وعلى توزيع القوى في كونغرس عام 2020.

تتمحور إجراءات العزل في مجلس النواب حول مادتين هما سوء استخدام السلطة وعرقلة تحقيق الكونغرس في قضية “أوكرانيا غيت” باعتبار أن ترامب ربط المساعدات العسكرية الأميركية لكييف بإعلان السلطات الأوكرانية عن اجراء تحقيق حول تعيين هانتر بايدن، ابن نائب الرئيس الأسبق، المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب الديمقراطي جو بايدن، في مجلس إدارة شركة الغاز الأوكرانية “بوريسما”. ويشير تقرير اللجنة القضائية في مجلس النواب إلى أن ترامب “أثبت أنه سيظلّ يمثل تهديداً للأمن القومي والدستور، إذا سمح له بالبقاء في منصبه”.

ليست المرة الأولى التي يواجه فيها رئيس أميركي إجراءات عزل تؤثر على تفسير الدستور

هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها رئيس أميركي إجراءات عزل تؤثر على تفسير الدستور الأميركي والعلاقة بين السلطات. الرئيس أندرو جونسون واجه أول إجراء عزل عام 1868 بعدما أقال وزير الحرب إدوين ستانتون خلال عطلة الكونغرس. المحاكمة في مجلس الشيوخ حينها لم تتمكن من عزل الرئيس لأن الإدانة لم تحصل على أكثرية الثلثين في المجلس، والعرف الذي أرسته هذه المحاكمة يقضي بألا يمكن للكونغرس عزل الرئيس فقط لاختلاف الرأي معه، كما وسعت صلاحيات الكونغرس ليصبح النظام الأميركي ما يسمى “حكومة تشريعية”.

إجراءات العزل الثانية كانت ضد بيل كلينتون عام 1998 عندما اتهم بالكذب تحت القسم وعرقلة العدالة نتيجة التحقيقات حول فضائحه الجنسية في تلك الفترة، لكن في النهاية لم يكن هناك إدانة لكلينتون أو أكثرية الثلثين في مجلس الشيوخ لعزله. التبعات السياسية حينها كانت تركيز الأميركيين على المعيار الأخلاقي لموقع الرئاسة بعد تجربة بيل كلينتون، وبالتالي كان فوز جورج بوش الابن الأكثر ترجيحاً على هذا الأساس في الانتخابات الرئاسية عام 2000. وهناك بطبيعة الحال تجربة “ووترغيت” الشهيرة لكن قبل تصويت الكونغرس رسمياً على إجراءات العزل بادر ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة عام 1974. فضيحة “ووترغيت” أدت إلى هزيمة مدوية للجمهوريين في انتخابات الرئاسة والكونغرس عام 1976 لصالح المرشح الديمقراطي جيمي كارتر، بعدما أصدر الرئيس الجمهوري جيرالد فورد عفواً رئاسياً عن سلفه نيكسون.

معادلة العزل اليوم تشبه إلى حد ما تجربة بيل كلينتون، مع فارق أن الأخير كان في نهاية ولايته الثانية عند العزل، فيما يخوض ترامب حالياً معركة تجديد ولايته الرئاسية الأولى. وتتكرر هذه المرة أيضاً المعركة حول حجم صلاحيات الرئيس وإلى أي مدى يمكن للكونغرس أن يضع ضوابط لهذه الصلاحيات. في السياق، انتقد رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب جيري نادلر عدم تعاون ترامب مع تحقيق الكونغرس قائلاً: “لا يمكن لأحد أن يكون ديكتاتوراً”.

خلال المحاكمة، يؤدي أعضاء مجلس الشيوخ اليمين للالتزام “بعدالة نزيهة”، لكن هذا لا ينطبق على الحزبين في ظلّ الاستقطاب السياسي القائم. زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، كشف أنه ينسق مع فريق ترامب القانوني حول مسار العزل، لا سيما بعد ظهور تصدّع بين ماكونيل الذي يفضّل محاكمة سريعة في مجلس الشيوخ من دون ضجة كبيرة قد تضر بالأكثرية الجمهورية، فيما ترامب يفضّل فتح معركة كبيرة فيها بهدف الاستعراض لتحفيز قاعدته الانتخابية. وفي مقابل كلام السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام أنه حسم أمره في هذه القضية ولا يحتاج إلى جلسات جديدة من الشهادات، هناك أصوات جمهورية معتدلة مثل السيناتور الجمهوري بات تومي، شدّدت على أنه لا بد من الاستماع إلى طرفي النزاع وإعطاء الرئيس فرصة محاكمة عادلة في مجلس الشيوخ.

من جهته، وجّه زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، رسالة يوم الأحد الماضي إلى ماكونيل طلب فيها استدعاء 4 مسؤولين في البيت الأبيض للتحقيق، هم كبير الموظفين ميك مولفاني ومساعده روبرت بلير ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون ومساعد مدير الأمن القومي في مكتب الإدارة والميزانية مايكل دوفي. الأسماء نفسها رفضت سابقاً تلبية استدعاءات مجلس النواب للتحقيق، كما أن هناك انتقادات محافظة لشومر باعتبار أنه في عام 1998 صوّت ضد استدعاء مسؤولين إلى الكونغرس للتحقيق في إجراءات عزل بيل كلينتون.

الحزب الجمهوري يخطط لاستخدام قضية العزل لاستعادة الأكثرية في انتخابات مجلس النواب

وهناك بطبيعة الحال البعد السياسي لهذه المعركة وتأثيرها على الناخب الأميركي. زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفن ماكارثي أبلغ موقع “برايتبارت” المحافظ أن حزبه يخطط لاستخدام قضية العزل لاستعادة الأكثرية في انتخابات مجلس النواب العام المقبل عبر تحفيز 8.5 ملايين ناخب على التصويت، وهو عدد مناصري ترامب الذين انتخبوه في الانتخابات الرئاسية عام 2016 لكنهم لم يقترعوا في الانتخابات التمهيدية عام 2018. الاعتقاد السائد بين الجمهوريين أن أرقام الديمقراطيين ستتراجع في استطلاعات الرأي نتيجة إجراءات عزل الرئيس، لا سيما في ولايات مثل أوكلاهوما ونيومكسيكو، بالتالي يحتاج الجمهوريون إلى الفوز بـ18 مقعداً ديمقراطياً في مجلس النواب لاستعادة الأكثرية، وذلك بعد إعلان النائب عن ولاية نيوجيرسي جيف فان درو انشقاقه عن الحزب الديمقراطي وانضمامه إلى صفوف الجمهوريين لرفضه إجراءات العزل. لكن الجمهوريين يخسرون أيضاً الأصوات المعتدلة والمستقلة، ما ينعكس انحساراً في قاعدتهم الشعبية، لا سيما بعدما استقال الصيف الماضي النائب عن ولاية ميشيغن جاستن أماش من الحزب الجمهوري نتيجة معارضته لترامب وسيصوت اليوم لعزله.

ولأنها تخشى الصورة النمطية عن هوس الديمقراطيين بعزل ترامب، تحاول رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي من جهتها إظهار أنها تدفع لإقرار قضايا تشريعية أخرى تهم أكثر الناخب الأميركي خارج واشنطن. بالتالي فإنه في لحظة تحديد جلسة التصويت على عزل الرئيس، أجرت بيلوسي صفقة مع البيت الأبيض حول إقرار اتفاقية أميركا الشمالية للتجارة الحرة، لتعطي صورة عن أنها تتعاون مع الجمهوريين وتسحب من ترامب ورقة الطبقة العاملة في الوسط الغربي، ما يمكن أن يدفع الديمقراطيين للقول إنهم ساعدوا في تمرير اتفاقية تحسن شروط تنافس العمال الأميركيين مع المكسيك وكندا. الخشية بين الديمقراطيين هي أرقام الاستطلاعات في ولاية حاسمة انتخابياً مثل ميشيغن وبنسلفانيا وويسكونسن حيث زادت نسبة تأييد ترامب خلال الأسابيع الأخيرة.

وهناك انقسام بين الأميركيين حول عزل الرئيس، بحسب استطلاع مشترك لصحيفة “يو أس أي توداي” وجامعة “سوفولك” بحيث يعارض 51 في المائة عزل مجلس الشيوخ للرئيس مقابل 45 في المائة مع عزله، وهذا تحسن طفيف لصالح ترامب بعدما كانت الأرقام في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي 47 في المائة مع عزل مجلس النواب للرئيس و46 في المائة ضد العزل. مع اختلاف الأرقام في استطلاعات الرأي، فإن المزاج العام بين الأميركيين يتمحور حول وجوب التحقيق في “أوكرانيا غيت” لكن هذا لا يعني بالضرورة عزل الرئيس.

هذا الانقسام الحاد بين الأميركيين حول عزل ترامب سينعكس مواجهات تشريعية في محاكمة مجلس الشيوخ مطلع العام المقبل، لكنها لن تؤثر إلى حد كبير على النظرة الشعبية لترامب التي تبلورت بين مؤيد ومعارض، لا سيما أن اهتمام الأميركيين حالياً يتجه أكثر لإدارة تكاليف الرعاية الصحية في ظل وضع اقتصادي إيجابي يستفيد منه ترامب حتى الآن في استطلاعات الرأي. رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب آدم شيف اعتبر أن عدم تمكن الكونغرس من عزل الرئيس لن يكون فشلاً، لأن إجراءات العزل “واجب دستوري لمجلس النواب”، لكن اتخاذ قرار العزل فيه مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

العربي الجديد

تعليقات فيسبوك
شارك الموضوع :


اترك تعليقا