السودان في عيده السبعين بحاجة لبعض الإنصاف وقليل من جلد الذات!

الانعطافات الحادة في تأريخ الشعوب والدول المتسببة في وقوع الكوارث والمحن، تستوجب وقفات لتحسس مواطن الخطر ومواقع الخلل لرتق الخروقات وسد الثغرات توطئة لاستئناف المسير علي بصيرة من الأمر ولالتماس التدابير التي تتحاشي بؤر الزلل وتكرار الأزمات . ولعمري ذاك أوجب الواجبات وأقدس المهمات . والسودان تعرض لأعنف هزة منذ استقلاله في بداية العام 1956 بسبب العدوان الذي تعرض له في 15 أبريل 2023 والذي لا تزال أخطاره شاخصة محدقة وكثيرا من جراحاته تسكب دما وتحدث ألماً وتحصد أرواحا عزيزة على امتداد الوطن. ولأنها ليست الأولى في تاريخ السودان الطويل الممتد لنحو ثمانية آلاف عام، والتي برغمها بقي بعدها جميعاً السودان بجل ملامح البداية التي تشكل عليها وتلك شارة أمل وفأل حسن تبشر بأنه سيبقي وسيجتاز هذه المحنة مثلما فعل في شأن سابقاتها من المحن والرزايا.
وجل الذي أصابنا كان جراء غزو طامع فيما عندنا مشوباً بخسيسة استعلاء طامحة تشعر مرتكبوها بالزهو الحرام والعظمة الزائفة اللاعظيمة، فمعيار العظمة الحقة هو ميزان الحق والعدل لا القتل على الهوية وترويع العجزة والنساء واغتصاب الحرائر والقاصرات من الفتيات والصبيان وبقر بطون الحوامل من النساء وتعليقهن علي فروع الأشجار حتي الموت، ولو كانت العظمة كذلك لعد جنكيزخان وهولاكو وهتلر وموسوليني وجوزيف ستالين في عداد العظماء وهيهات.
والغزوات التي غزتنا في عقر دارنا حدث بعضها قبل الميلاد بقرون تولت كبرها دول الاستكبار في ذلك الزمان فجاءنا قمبيز عظيم الفرس بجيش جرار وجاء أباطرة من اليونان والرومان، كما كان الغزو بيننا وبين مصر سجالاً لا ينقطع وكان لكل غزاة من وراء الحدود زعانف من أبناء الوطن أدلاء أذلاء يعينونهم علي الشيخ والشيخة والعمة والخالة، يقتلونهم ويبالغون في إهانتهم قبل التقتيل، فزيد بن مخلف الثقفي المكني بأبي رغال، دل الغازي أبرهة الحبشي على الكعبة لهدمها فأصبح سبة في تاريخ العرب تطلق كنيته علي كل خائن وضيع باع أهله وبلده بالدراهم والدنانير، أبو رغال! وكانت العرب ترجم قبره بالحجارة بعد الحج قبل الإسلام.
وتصدت ملكات (كنداكات) السودان الحاكمات قبل أن يعرف الناس حكم النساء للغزاة فجئن بقوادهم في الحديد مجنزرين، ووضعت إحداهن وهي الملكة أماني ريناس، تمثال الإمبراطور المبجل لدى الرومان أغسطس مؤسس الامبراطورية الرومانية في 27 قبل الميلاد، في موضع قدميها تحت العرش، وحاول الرومان استعادته عبر تفاوض انتهى بوثيقة وُقعت في إحدى جزر البحر الأبيض المتوسط الذي كانت العرب تسميه بحر الروم فلم تعده، وأذكر أني كُلفت بمقابلة نائب وزيرة الخارجية الأمريكية روبرت زيلك وتسليمه طبقا تذكاريا يحمل رسما لتلك الملكة العظيمة وبين يديها أولئك البيض مصفدين في الأغلال، ضحك وقال لي ماذا تفعل هذه المرأة وأجاب لا أظن أنها كانت تفعل خيراً!
وحُرقت عاصمة كوش الثانية في نبتة (كريمة اليوم) بأكملها وتًركت أثرا بعد عين جراء أخذ ذلك التمثال من معبد في النوبة السفلي جنوب مصر. ودمر عيزانا ملك أكسوم حضارة مروي العظيمة والتي بلغت من الشأو أطوله وأعلاه فصهرت الحديد حتي أطلق عليها الفرنجة اسم بيرمنقهام القديمة فانفض سامرها ويمم أمراؤها غرباً فنقلوا معارفهم إلى هناك فاشتملت لغات غرب أفريقيا على بعض لغات السودانيين فيما عرف باللغات السودانية.
كانت المدن في عصور ممالك النوبة القديمة تضاهي الحواضر في بيزنطة تنتشر فيها المراكز الحضرية والمعابد ثم الكاتدرائيات في العهد المسيحي والجامعات ثم الخلاوي التي تفرج تقابيبها الليل بالضياء بتلاوة الذكر الحكيم. ولم ينقطع الغزو الطامع فجاء الألباني المغامر محمد علي يتزيأ بشارات الخلافة الإسلامية في ختل ومكر بحثاً عن مقاتلي السودان الأشداء وعن الذهب لتزويد جيش يقلب الطاولة به على العثمانيين ويحل محلهم خليفة للمسلمين، فحاربه أهلنا في أم بقر (كورتي) بما يملكون من رباط الخيل وقتلوا نجله المتغطرس في حاضرة الجعليين فسلط علينا صهره الذي حصد آلاف الأرواح وتسبب في هجرات في كل الأنحاء . ثم ثار الناس عليه فتحرروا في وقت كان العالم الفقير جله تحت نير الاحتلال، على يد المهدي ثم خبت جذوة العزة التي جمعتنا ودب الخلاف بيننا ثم استأنفنا التقتيل، تقتيل بعضنا بعضاً حتى قال المستعمر الذي تسلل من ضعفنا أنه وجد الشمال كما لو كان خلواً من الناس ولم يعصمه التظاهر بالشفقة علينا من حصد أحد عشر ألفا من الأبطال في كرري بدم بارد وفي ساعات قلائل. واستبيحت أم درمان عاصمة السودان لثلاث نحسات. وبقي السودان رغم ذلك ونهض.
وخلاصة ذلك أن الهزائم والنكسات والاخفاق في تحقيق التنمية المتساوية والمستدامة لا تستدعي بالضرورة النظر في إعادة التأسيس فالسودان تأسس قبل ثمانية ألف عام وظل كما كان في البدء، حمل أسماء عديدة تعني جميعا أقواما سودا: تانهسو، أثيوبيا (أصحاب الوجوه المحروقة) كوش بن حام بن نوح الأسود وبلاد السودان، خالطتهم عرقيات آسيوية وعربية ومغاربية وأفريقية خالصة علي مر العصور لم تذهب بانتمائهم للقارة السمراء مما جعل مؤرخين وعلماء إنسان أمثال ويليام آدمز وجي اسبولدينق وريتشارد لوبان وغيرهم يؤكدون علي استمرارية حضارات النوبة بالتكيف مع المسيحية ثم الإسلام وتلك عبقرية ضمنت استمرار خصوصية تلك الحضارة.
هذه بلاد حضارة وهجرة من كل مكان، من غرب أفريقيا ومن المغرب العربي الكبير وبلاد شنقيط، زاد من وتيرة ذلك أن قام سلاطين الفور والممالك الإسلامية بحفر الآبار على طول الطريق المتجه شرقاً حتي النيل الأبيض خدمة للحجيج وتواصلا مع أشقائهم في وسط السودان وشرقه فتمازج الناس واختلطت الدماء لتكون هذه البوتقة المنصهرة من شعب عظيم خلاق
روى كاتب الشونة بما حققه بروفسور يوسف فضل حسن: أنه لما غزا ملك الحبشة إياسو في العام 1738 بمعونة سوادني متمرد اسمه نايل ود عجيب بعض أجزاء مملكة سنار نواحي الدندر أرسل إليه سلطان سنار بادي أبوشلوخ جيشا عظيما حقق النصر عليه فانتشر خبر ذلك النصر وأبهج بلاد المسلمين قاطبة بما فيهم سلطان الدولة العثمانية محمود الأول ونتج عن ذلك أن قصدت مملكة سنار الوفود “من الحجاز والهند والسند وأهل صعيد مصر والمغرب الأقصى واستوطنوا بها…” حاشية 14 صفحة 93 دار مدارك للطباعة والنشر الطبعة الأولي سنة 2008. راجع كذلك كتاب الدكتور الفاتح حسنين عن هجرة المغاربة إلي جهات كركوج قبل خمسمائة عام،
العربية كانت راسخة لم يأت بها الخديوي كما يدعي البعض الذي لم يكن هو نفسه يتكلم العربية بل خاطبه بها سلطان سنار عندما جاء ابنه غازياً : “لا يغرنك تغلبك علي الجعليين والشايقية فنحن السادة وهم الرعية.” لكن الحكم الثنائي حرم التبشير المسيحي شمال خط عرض 10 أي في السودان الشمالي خوفا من إثارة حماسة السودانيين لدينهم وهم حديثو عهد بثورة دينية لم تنطفي جذوتها في صدورهم بعد فيما رأي اللورد كرومر ولتجنب أيضاً غضب البرلمان المصري والصحافة المصرية واتهام الانقليز بتنصير المسلمين في السودان.
هذه بلاد ليست مغمورة ولا خاملة الذكر فهي ذات قدم راسخة في المجد ولم تزل ذات تأثير وأثر. طريقة الشيخ إبراهيم الرشيد الدويحي الإدريسية لا يزال لها مريدين في الصومال ومنهم مهدي الصومال الذي استخدم الإنقليز الطيران الحربي لأول مرة في أفريقيا للقضاء عليه . ألا ترى غلبة اسم الرشيد وعبد الرشيد هناك حتي اليوم وطريقة السالمية تأتي وراء ابن أخيه سالم الذي خلفه علي الطريقة الإدريسية وله فيما قال أوفاهي في أطروحته للدكتوراة مريدون في سورية وغيرها من بلاد المسلمين وجامعة أفريقيا تغرف من ذات المورد الثر الذي لا ينضب.
ورد أسباب الإخفاقات والفشل إلي فشل التأسيس عقب الاستقلال حيث غلبت عليه السياسة وخصومات النخب وقد حاول آباء الاستقلال في أفريقيا تجاوز هذه المعضلة بعدم فتح صندوق العجائب باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار وتم احترام هذا التجاوز ولم يتم تجاوزه إلا في حالة انفصال جنوب السودان.
ولقد حاولتُ دراسة فرضية أن السودان هو الدولة الوحيدة التي فشلت في البناء والحفاظ علي النظام الديمقراطي فيها ووحدة أرضها بعد الاستقلال بتجرد وموضوعية فوجدت أن السودان لم يتفرد بالفشل ففي المستعمرات في أفريقيا وآسيا تماسكت دول قليلة جدا بل وحافظت جزئيا علي بعض النجاح في الإبقاء مثلاً علي النظم الديمقراطية فيها ففي آسيا حافظت الهند علي النظام الديمقراطي البرلماني فيها بينما خسرت وحدة أراضيها بانفصال باكستان والدولة الثانية التي حافظت علي نظامها الديمقراطي هي سري لانكا لكنها تعرضت لحرب انفصالية ضروس في شمالها ذي الأقلية الهندوسية المهجرة من قبل الانقليز من ولاية (تاميل نادو) في جنوب الهند. وقد يُرد حفاظها على الحكم المدني الديمقراطي لصغر حجمها وقلة سكانها ولتجانس شعبها من السنهاليين الذين يدينون بالبوذية ويشكلون 75%. ونجاح الهند في الحفاظ علي الديمقراطية مرده إلي دربة طويلة لحزب المؤتمر الهندي في النضال السياسي ولحقيقة أنه عند تأسيسه في العام 1885 أي قبل 62 عاما قبل الاستقلال مع حقيقة أنه كان وعاء جامعا لكافة القوميات الهندية في الهند في مواجهة الاستعمار البريطاني قبل أن ينشق عنه الحزب الشيوعي القوي عشرينيات القرن العشرين ثم الرابطة الإسلامية لاحقاً . كان حزب المؤتمر قد جعل الديمقراطية ميراثا طبيعيا في أعماله إلا أن الاعتماد علي الأغلبية الميكانيكية أفضت إلي تهميش المسلمين الذين شكلوا أقلية كبيرة العدد حرص المهاتما غاندي علي ارضائها في سبيل الحفاظ علي وحدة شبه القارة الهندية وسعي لتنصيب محمد علي جناح رئيسا للوزراء فيما رواه جوزوات سند وزير خارجية الهند الأسبق.
والدول الأخرى في افريقيا التي حافظت علي الديمقراطية قليلة جدا منها بوتسوانا وموريشيص وناميبيا وجنوب افريقيا. هناك دول أخري عانت من انقلابات بعد الاستقلال ثم تمكنت من إرساء نظم ديمقراطية بعد ذلك مثل غانا وزامبيا وكينيا وظلت القبلية غطاء للديمقراطية وكلما كانت القبيلة كبيرة ومتماسكة كلما استمر النظام الديمقراطي باقياً في بعض تلك الدول.
ديمقراطية السودان استندت علي طائفية دينية وهي أرفع في سلم الارتقاء من تلك القائمة علي القبيلة كان يمكن الصبر عليها حتي ترتقي إلا أن بوليتيك المنطقة لا يعرف الصبر وإن تجمل به أهل السودان!
فشل حزب المؤتمر الهندي الإبقاء علي الهند موحدة يشبه في بعض ملامحه فشلنا في اقناع الجنوب في البقاء ضمن السودان الموحد رغم أن السياسة الاستعمارية التي أدارت الشمال والجنوب بسياسات مختلفة كما لو كانا بلدين منفصلين ثم لهثت علي عجل لدمجهما قبيل الاستقلال وهي تسرع الخطي للخروج وتتركهما لمصيرهما وذلك قبل عقد واحد وهي التي ظلت علي مدي خمسة عقود تنشط في بذر الكراهية وإثارة النعرات بينهما بما أضعف الثقة بينهما فجاءت محاولة الإبقاء علي السودان موحدا في اللحظات الأخيرة وبضغوط من الحكومة الاستعمارية علي الجنوبيين للقبول بالبقاء في ظل السودان الواحد في مؤتمر جوبا عام 1947 بوعود بمنح الجنوب فيدرالية لم تكن معروفة في القارة بأكملها أخافت الشمال بأنها مجرد طعم للانفصال فلم يف الشمال بوعده بمنحها وهو ملام علي ذلك بلا جدال وإن التمسنا له المعاذير بما تقدم من غرابة الفكرة علي القارة بأكملها فتحول عدم الثقة لصراع دائم أفضي للانفصال التام في نهاية المطاف.
.وتتحاشي النخب المتوثبة لإدانة آباء الاستقلال لإغفال الدور الأكبر للاستعمار في بُعد الشقة بين طرفي القطر بسياسات المناطق المغلقة علي مدي خمسين عاما تريد من جيل الاستقلال ردمها بمجرد الموافقة علي مطلب الفيدرالية وقد شهدنا كيف فشلت تجربة ست سنوات لحكومة الوحدة الوطنية التي أقيمت بعد اتفاقية السلام الشامل في 2005 وكيف ظل الجنوب يتهيأ من أول يوم للانفصال بتحريض من ذات القوي الاستعمارية من وراء البحار أو بتراتيب خرقاء لبعض الانفصاليين ممنين انفسهم بالاستحواذ علي البترول كاملا وإفقار الشمال ثم الزحف عليه ودمجه في وحدة قسرية وفق منظور السودان الجديد المعدل من الماركسية اللينينة إلي الليبرالية الغربية في نسختها المعادية للدين. حدثني حكيم بينهم أنه قال لهم لقد ظل الشمال موجوداً عبر القرون دون بترول!
والآباء من جيل الخريجين رغم استخفاف السكرتير الإداري قيلان عام 1938 للحكومة الاستعمارية بهم وبكلمة “خريجين ” التي وصفها بأنها كلمة طنانة مضخمة مفخمة لا تحمل مضمونا حقيقيا حيث تضم خريجي المدارس المتوسطة والجامعيين ولا يتجاوز تعدادهم جميعاً الثلاثة آلاف شخص. إلا أنهم للأنصاف رغم ذلك تمكنوا من إنجاز سودنة الوظائف التي كان يشغلها الأجانب في وقت وجيز كما أنهم أداروا انتخابات الفترة الانتقالية بنجاح حتي تحقق الاستقلال. لقد آل أمر البلاد الواسعة التي بلغت مساحتها نحو مليون ميل مربع معتمدة في اقتصادها على غلة واحدة هي القطن المزروع في الجزيرة بسكك حديدية قديمة، صيحة من صيحات القرن التاسع عشر وبنحو ثلاث مدارس ثانوية وكلية جامعية يتيمة فعكفوا في حدود الإمكان فنجحوا وأخفقوا . تمكنوا من تطوير السكة الحديدية شيئا ما بل ساعدوا دولا إفريقية في ذلك مثل زامبيا ومدوا الخطوط حتى واو في جنوب السودان وغربا حتي نيالا. ثم توسعوا في مشروع الجزيرة ببناء سد الروصيرص ومد الرقعة المزروعة لتشمل منطقة المناقل وأسسوا ناقلا وطنياً جويا كان في ريادة خطوط الطيران في المنطقة كما أسسوا جامعة الخرطوم. ثم أسس من جاء بعدهم من الحكام مصانع السكر وصوامع الغلال واسطولا من الخطوط البحرية بلغ نحو 18 سفينة ضخمة عابرة للمحيطات واستخرجوا البترول ومدوا الطرق القارية أسسوا في كل ولاية جامعة تدرس كافة ضروب المعرفة في ظروف بالغة الدقة والتعقيد. هذا ورغم استخفاف السكرتير الإداري البريطاني الاستخفاف بالمتعلمين إلا أن السير ويليام لوس الذي عمل مستشارا قانونياً للحاكم العام في السودان الذي نصح المستعمرات البريطانية في الخليج و في اليمن الاستعانة بالكفاءات السودانية عند استقلالها فكانوا عند حسن الظن بهم. وكانت مجلة فايننشال تايم البريطانية قد خصصت موضوع الغلاف عن السودان عام1978 ذكرت في ثناياه أن بريطانيا تفاخر بان تركت في السودان نظاما محكما في التعليم والخدمة المدنية.
والشاهد أن الآباء الأوائل وفق الظروف التي عاشوها وعايشوها والمعارف التي تحصلوا عليها من نظام احتل بلادهم، بذلوا جهدا يشكرون عليه فحافظوا علي السودان بثقافته السمحة المتسامحة التي تضم عرقيات ومعتقدات وفدت من كل حدب وصوب وأخفقوا إخفاقات بعضها من صنع أنفسهم في حظوظ الأنفس وشحها وبعضها تقديرات طاش صوابها أودت بالبلاد وبالعباد وليس ضمن ما نقول بالطبع الخيانات والخيبات خدمة لمصالح الأغيار من خارج البلاد. ويحمد لأكثرهم عفة اليد فعاش جلهم علي الكفاف بين الناس.
والخلاصة أن البلاد ليست بصدد التأسيس بل بصدد إعادة النظر في طرق إدارتها بما يرضي غالب أهلها فهي لسعة مساحته استمر فيها حكم سلطنة سنار قرابة ثلاثة قرون بلا انقطاع لأنه كان حكما لا مركزيا أشبه بالحكم الكونفدرالي قسمة بين العبدلاب بحيث تكون لهم السيطرة علي المنطقة الشمالية وبعض مناطق الجزيرة وشرق النيل وبين الفونج بحيث تكون لهم بقية أجزاء البلاد مع الاشراف العام علي المملكة برمتها. اصلاح أخطاء ما قبل الحرب مُلِحة ولازمة والتفاهم وتغليب مصلحة بقاء الوطن واجبة ولازمة وممكنة.
كتبت الانثربولوجية روث بندكت كتابا في العام 1946 جمعت مادته أثناء الحرب العالمية الثانية بإيعاز من وزارة الحرب الأمريكية وهو ما عابوه عليها باتخاذ العلم مطية لأغراض الحرب وهو عين ما عابوه علي إيفانز بريتشارد عند تأليف كتاب “النوير” خدمة للمخابرات البريطانية للتمكن من السيطرة علي القبيلة التي انتفضت علي المستعمر في أربعين واقعة. وكان كتاب بندكت بغرض سبر أغوار الثقافة اليابانية المربكة حيث تبدو الشخصية اليابانية من الخارج هادئة مسالمة وفي منتهي اللطف بينما يحوي باطنها ما لا يتصور من العناد والقسوة والصمود لذلك جاء عنوان الكتاب ” زهرة الأقحوان والسيف” وحديث معمق عن الفرق بين الثقافة الغربية التي يحكم السلوك فيها وخذ الضمير الذي يفضي بصاحبه للتخلص منه بالاعتراف بالذنب وتحمل تبعاته وطلب الغفران منه وبين تقافة العيب التي تميز الثقافة اليابانية والتي يحكمها قبول المجتمع ورفضه ولذلك وإن لم يطلع علي جريرتها أحد لا يضير صاحبها شيء وإن فشت في الناس السوأة ينتحر مرتكبها أو هكذا رأت المؤلفة وهو قريب بوصف إنسان بأنه “عبد عين!”. وخلاصة ما توصلت إليه الكاتبة أكده لي بعض مثقفي اليابان عندما عملت هناك في طوكيو بعد أن عرض علي بعضهم على دعوة عشاء أشرطة تتحدث عن قسوة الحرب عليهم وكيف أن قاذفات اللهب حصدت مائة ألف من سكان العاصمة طوكيو وأن من نجوا ممن كانت قرب مساكنهم أنهار قذفوا بأنفسهم فيها وذلك قبل ضربات ناجازاكي وهيروشيما بالذرية لكنهم كانوا يرددون علي الدوام أن اليابان جلبت ذلك لنفسها بدخول حرب ما كان لها أن تخوض غمارها.
خلصت الكاتبة إلي أن العناد لم يمنع اليابان من مراجعة نفسها وأنه بعد أن ضربت رأسها بالحائط انتبهت وقامت بالمراجعات الضرورية مستفيدة من منعها من عسكرة نفسها للنهوض كثاني اقتصاد في العالم بعد عقدين من الزمان وكذلك فعلت ألمانيا وبقيتا كما كانتا قبل الحرب، اليابان ذاتها وألمانيا دون إعادة تأسيس فالتأسيس يكون ثمرة تاريخ طويل وملامح أجيال تتبعها أجيال.
ونختم بالقول بأن هذه الحرب أقنعت الملايين من كافة المشارب والانتماءات بالاصطفاف خلف الوطن والإبقاء عليه مهما عظمت التضحيات والتراضي بعد ذلك علي طريقة إدارته وفق معايير المساواة والإنصاف والشفافية.
الدكتور الخضر هارون






