الحياة لا تنتظر: كيف يمكن للسودانيين في النزوح واللجوء استعادة زمام حياتهم؟

الحياة لا تنتظر: كيف يمكن للسودانيين في النزوح واللجوء استعادة زمام حياتهم؟
ميرغني الحبر/ المحامي
في الحروب القصيرة، ينتظر الناس.
وفي الحروب الطويلة، يضيع الناس وهم ينتظرون.
هذه هي المأساة الصامتة التي يعيشها مئات الآلاف من السودانيين اليوم، لا في خطوط القتال، بل في مساحات النزوح واللجوء؛ حيث لا تُقاس المعاناة فقط بندرة الغذاء أو قسوة المأوى، بل بثقل الزمن نفسه. زمنٌ متوقف، وحياةٌ معلّقة على أمل نهايةٍ وشيكة لم تأتِ.
منذ اندلاع الأزمة، ساد اعتقاد واسع بأن ما يجري ليس أكثر من جولة عابرة: تمرد محدود، أو محاولة انقلابية سرعان ما تُحسم. بعضهم توقّع أن تنتهي خلال أيام، وآخرون خلال أسابيع. لكن الأشهر امتدت، ثم الأعوام، حتى دخلت الأزمة عامها الرابع، تاركةً وراءها واقعًا جديدًا لم يُعترف به بعد كما ينبغي: واقع الحرب الطويلة.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
فأخطر ما تخلّفه الحروب الممتدة ليس الدمار المادي وحده، بل “تعليق الحياة”؛ أن يعيش الإنسان في حالة انتظار دائم، لا يبدأ عملاً لأنه “سيعود قريبًا”، ولا يبني مشروعًا لأن “الوضع مؤقت”، ولا يعيد ترتيب حياته لأن “النهاية وشيكة”. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الانتظار إلى إحباط، ثم إلى عجز، ثم إلى فقدان تدريجي للمعنى.
من هذا المنطلق، لم يعد كافيًا أن تُصاغ المبادرات في إطار الإغاثة التقليدية فقط، رغم أهميتها، بل بات من الضروري الانتقال إلى مقاربة جديدة: التمكين بدل الانتظار، والفعل بدل التعليق.
إن المبادرات الأكثر فاعلية في مثل هذه السياقات، كما أثبتت تجارب دول أخرى عاشت حروبًا طويلة، تقوم على إعادة تعريف النازح واللاجئ، لا بوصفه متلقيًا للمساعدة، بل بوصفه فاعلًا قادرًا على الإنتاج والمساهمة، مهما كانت الظروف.
في هذا السياق، تبرز فكرة “بنك المهارات” كأحد المداخل العملية البسيطة والعميقة في آن واحد. فكل مجتمع نازح، مهما اشتدت محنته، يضم في داخله مهنيين ومعلمين، وحرفيين، وطهاة، ومزارعين، وأصحاب خبرات متنوعة. حصر هذه المهارات، وربط أصحابها ببعضهم البعض، يمكن أن يحوّل التجمعات السكانية من كيانات معتمدة بالكامل على الدعم الخارجي إلى شبكات إنتاج وتكافل داخلي.
إلى جانب ذلك، يظل الدعم النفسي المجتمعي ضرورة لا تقل أهمية عن الغذاء والدواء. فمساحات الحوار البسيطة—حيث يجتمع عدد محدود من الأفراد لتبادل الحديث عن معاناتهم في مساحات حوار قائمة علي الإنصات لا المحاكمة —يمكن أن تخفف من حدة الانكسار الداخلي، وتعيد بناء قدر من التماسك النفسي الذي تآكله طول الأزمة.
أما الأطفال، وهم الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة، فإن الاستثمار في استقرارهم النفسي والتعليمي ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية. إنشاء مساحات آمنة للعب، وتوفير أشكال مبسطة من التعليم غير الرسمي، يسهمان في حماية جيل كامل من الضياع، ويمنحان الأسر شيئًا من التوازن وسط الفوضى.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن المشاريع الصغيرة، مهما بدت متواضعة، تمثل مدخلًا حقيقيًا لاستعادة الكرامة. فمطبخ منزلي، أو ركن لبيع الشاي، أو ورشة خياطة، ليست مجرد وسائل دخل، بل أدوات لإعادة بناء الشعور بالجدوى والاستقلال.
ولا يمكن إغفال دور المنصات الرقمية البسيطة—مثل مجموعات التواصل الاجتماعي—في ربط الأفراد، وتبادل الفرص، ونشر قصص النجاح، وكسر العزلة التي تُعد أحد أخطر أوجه النزوح.
إن جوهر هذه المقاربة ليس في حجم الموارد، بل في تغيير الفكرة الأساسية التي تحكم سلوك الأفراد والمجتمعات:
“لا ننتظر نهاية الحرب لنبدأ الحياة، بل نبدأ الحياة رغم استمرارها”.
هذا التحول ليس سهلًا، ولا يحدث بقرار، بل عبر مبادرات صغيرة، متدرجة، قريبة من الناس، تبدأ بعدد محدود من الأفراد، وتبني نجاحها خطوة خطوة. فالمبادرات التي تُصمَّم لتكون مثالية غالبًا ما تفشل، بينما تلك التي تنمو من الواقع، وبإمكانات محدودة، هي التي تملك فرصة البقاء والتأثير.
في نهاية المطاف، لا تُغني هذه الجهود عن الحاجة الملحة لوقف الحرب، ولا تُعد بديلًا عن الحلول السياسية الشاملة. لكنها، في الوقت ذاته، تمثل جسرًا ضروريًا بين الحاضر المثقل بالألم، والمستقبل المأمول.
فالحياة لا تنتظر.
والأمم التي تنجو من الحروب ليست فقط تلك التي تنهيها، بل تلك التي تتعلم كيف تعيش خلالها دون أن تفقد نفسها.
الانتباهة






