الحركة الإسلامية تبحث عن مخرج سياسي في السودان… ومصادر تكشف تنازلات غير مسبوقة

في المشهد السياسي السوداني الذي يزداد تعقيداً مع كل يوم من الحرب، تكشف الأنباء المتداولة حول مبادرة علي أحمد كرتي — الأمين العام للحركة الإسلامية المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، وهي جماعة ارتبط اسمها بانتهاكات واسعة وجرائم جسيمة — عن محاولة جديدة لإعادة التموضع في لحظة إقليمية ودولية مضطربة، حيث تتقاطع حسابات القوى المحلية مع مصالح العواصم الكبرى. ورغم أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تؤكد ولم تنفِ تلقي المبادرة، فإن ردها المقتضب يعكس إدراكاً بأن أي انفتاح على الإسلاميين يبقى محكوماً بسياق الحرب، وبمخاوف واشنطن من استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وهو ما يجعل هذه الاتصالات — إن وُجدت — جزءاً من ديناميات أوسع تتعلق بمستقبل التسوية السياسية في السودان.
وتشير الخارجية الأمريكية، في ردها على أسئلة مجلة “أفق جديد”، إلى أن موقفها “واضح وثابت”، مؤكدة أنها تعمل “بتوجيه من الرئيس ترامب” مع الحلفاء لتسهيل هدنة إنسانية ووقف الدعم العسكري والمالي الخارجي الذي يغذي الحرب. ويعكس هذا الخطاب رغبة أمريكية في تثبيت إطار عام للتسوية، يقوم على وقف القتال وتهيئة الظروف لعودة الحكم المدني، دون الانخراط في تفاصيل الاتصالات الجانبية مع أي طرف، بما في ذلك الحركة الإسلامية التي تحاول — كما يبدو — إعادة فتح قنوات كانت مغلقة منذ سقوط نظام البشير.
لكن ما تكشفه مصادر متعددة هو أن مبادرة كرتي ليست سوى واحدة من سلسلة محاولات قادتها الحركة الإسلامية خلال الأشهر الماضية. فبحسب دبلوماسي غربي، فإن الإسلاميين “ما فتئوا يطرقون أبواب المجتمع الدولي المغلقة في وجوههم”، مشيراً إلى أن منظمة “بروميديشن” رتبت لقاءات وورش عمل جمعت أطيافاً مختلفة من الإسلاميين، وسهلت لهم التواصل مع شخصيات نافذة في دوائر القرار الدولي، لكن تلك الجهود كانت تصطدم في كل مرة بـ“حائط من الصد والرفض”. ويضيف المصدر أن بريطانيا كانت الدولة الوحيدة التي أبدت قدراً من التجاوب، بحكم تاريخها الطويل في التعامل مع حركات الإسلام السياسي.
وفي السياق ذاته، يرى مصدر سياسي سوداني أن هذه التحركات ليست سوى “تجريب للمجرّب”، قائلاً إن الإسلاميين “كالبوربون، لا يتعلمون شيئاً ولا ينسون شيئاً”، في إشارة إلى استمرارهم في الطرق على الأبواب الدولية رغم تجارب ثلاثة عقود لم تثمر قبولاً حقيقياً. أما المصدر الثالث، الذي تحدث عن لقاءات جمعت المبعوث البريطاني بقيادات إسلامية في الدوحة وأنقرة والقاهرة، فيؤكد أن الإسلاميين قدموا “تنازلات كبيرة مقارنة بمواقفهم المعلنة”، وأنهم أبدوا استعداداً لوقف الحرب، محذرين من أن إقصاءهم قد يفتح البلاد على “احتمالات كارثية”.
ويشير المصدر إلى أن القيادات الإسلامية أبلغت المبعوث البريطاني بأنها “الجهة الوحيدة القادرة على جمع السلاح من المليشيات المتطرفة” التي تقاتل إلى جانب الجيش، مستشهدين بتجربة قوات الدفاع الشعبي التي جرى — وفق روايتهم — تجريدها من السلاح عقب توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية دون تفلتات أمنية. ويكشف هذا الطرح عن محاولة الإسلاميين تقديم أنفسهم كفاعل لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب، مستندين إلى نفوذهم داخل المجموعات المسلحة المرتبطة بالجيش.
وتأتي زيارة المبعوث البريطاني الخاص للسودان، ريتشارد كراودر، إلى الخرطوم مطلع يونيو، لتضيف بعداً جديداً لهذا الحراك. فالزيارة — وهي الأولى لمسؤول دولي بهذا المستوى منذ اندلاع الحرب — تعكس اهتماماً متزايداً من لندن بلعب دور في مسار التسوية. ومن المتوقع أن يضع كراودر أمام البرهان نتائج جولته الإقليمية التي شملت القاهرة وأنقرة والدوحة، حيث التقى أطيافاً واسعة من القوى السياسية والمجتمعية، بما في ذلك أكثر التيارات الإسلامية تشدداً، في مؤشر على أن القوى الدولية باتت تسعى لاستكشاف مواقف جميع الفاعلين المؤثرين، بمن فيهم الإسلاميون الذين ظلوا لسنوات خارج دائرة القبول الدولي.
وفي موازاة ذلك، تكشف مصادر وثيقة الصلة بالحزب المحلول والحركة الإسلامية عن مغادرة كرتي إلى الدوحة، وسط تصاعد الخلافات داخل التيار الإسلامي بشأن مستقبل الحرب والعلاقة بالمجتمع الدولي وملف المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وتقول المصادر إن العلاقة بين كرتي وأحمد هارون — المطلوب للجنائية — شهدت توتراً متصاعداً بسبب تباين المواقف تجاه مقترحات تتعلق بتسليم المطلوبين للمحكمة، شريطة محاكمتهم عبر المركز الإقليمي للمحكمة في الدوحة.
ويبرز هارون باعتباره أحد أبرز الرافضين لأي تعاون مع المحكمة، مستنداً إلى نفوذه داخل الكتائب العسكرية والمجموعات المقاتلة المرتبطة بالحركة الإسلامية. وتقول المصادر إنه يرى أن استمرار الحرب يمثل “المخرج الوحيد” للحركة الإسلامية والحزب المحلول، وأن أي تسوية قد تؤدي إلى تفكيك النفوذ العسكري الذي راكمه الإسلاميون خلال السنوات الماضية. وتضيف أن هذا الموقف خلق توترات صامتة بينه وبين قيادات داخل المؤسسة العسكرية، على رأسها البرهان، في ظل مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات العقائدية المسلحة داخل المشهد العسكري.
وتعيد هذه الخلافات إلى الأذهان الانقسام القديم بين كرتي وهارون منذ صدور مذكرة التوقيف الدولية بحق الأخير عام 2007، حين كان كرتي من بين الأصوات التي دعمت مقترحات تدعو إلى التحقيق معه وإبعاده من موقعه، قبل أن يتدخل البشير لحسم الجدل بتصريحه الشهير: “هارون لن يستقيل أو يُقال أو يُحقق معه”.
وفي سياق متصل، تكشف مصادر مطلعة عن تحركات تقودها جهات دولية لإقناع الإسلاميين بالتخلي عن العمل المسلح والانخراط في العملية السياسية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. وتقول المصادر إن دبلوماسيين سودانيين سابقين نقلوا إلى قيادات إسلامية — من بينهم هارون وأميرة الفاضل — رؤية بريطانية أمريكية تقوم على وقف الحرب والعودة إلى النشاط السياسي المدني، والابتعاد عن دعم العمل العسكري.
الانتباهة






