منوعات
طرائف الكرم في أرض المحنّة والنِعَم
لم لا، فالأرض التي تنبت القطن والذرة والفول والكبكبي والعدسي ومعظم الخيرات التي ينعم بها سوداننا الحبيب، قادرة على أن تنبت إنساناً لماحاً ذكياً جميلاً. وهي التي قد أنجبت الفنانيين والشعراء والأدباء والعلماء.
ومحمد زين قريب المهدي وصديقه أيضاً معلم يتمتع بنفس الصفات، طافا معاً بحكم المهنة معظم قرى الجزيرة.. تخيّل كم من الكنوز جمعاها من الدرر والطرائف والمفاكهات.. وإذا التقى هذا الثنائي يلتفُّ حولهما الأهل والأصحاب، لأن النكتة تنشأ من لُقيتهما وجلستهما تلك، طازجة وشهية فهي هنا جديدة لنج، و«Made In Tunoob». صادف ذات يوم أن ترافق المعلمان المهدي ومحمد زين لمدينة المناقل لأداء واجب عزاء هناك، حيث بعض الأهل والأقارب، فوصلا منتصف النهار.
الجو كان حاراً.. وبلغ منهما تعب السفر مبلغه.. لم يتناولا طعام الإفطار حينما غادرا الحلة، وبعد أن أديا واجب العزاء «بعدما شالا الفاتحة» جلسا في داخل ذلك الصالون الكبير الفخم على الأرض فأبصرهما شخص من أهل الحلة كان يقيم هناك فأسرع لمنزله القريب على الفور وأحضر صينية متواضعة مغطاة بطبق كأنه كان يعلم أن الجماعة ما فطروا. وفي أقل من ربع الساعة وضعها أمامهما وفتح الطبق.. فإذا بعصيدة حااااره بي ملاح ويكاب بوخا يلوي ومعها شطة خضراء وسلطة.. ويلا يا جماعة اتفضلوا، صلوا على النبي.
الجماعة حسب الجوعة والتعب والمشوار قاموا عليها تبْ.. وأبلوا فيها بلاءً حسناً.. ثم رفعت الصينية.. فأحضر لهما صاحبهما كبايتي شاي على الفور، كل ذلك لم يستغرق نصف الساعة.
وفي أثناء ما هما ممسكان بالشاي إذا بشاب يدخل من باب الصالون، ولكنه يدخل بظهره.. شيء غريب..!! معنى ذلك أن الشاب يحمل طرف شيء ما، وهناك آخر خارج الصالون لم يظهر بعد يحمل باقي ذلك الشيء. إنها صينية كبيرة فعلاً اكتمل دخول الشاب الآخر وهو يحمل طرف الصينية الآخر، وهي مغطاة بطبق كبير مزركش!!
ومن خلفهما رجل طويل وسيم تبدو عليه آثار النعمة، إنه أحد الجيران جاء بصينيته متأخراً!! ووضعها في منتصف الصالون.. يلا يا جماعة صلوا على النبي، الما فطر منو؟ لا يوجد شخص إلا هؤلاء الثلاثة الذين يحملونها، اللهم إلا رجل محظوظ دخل خلفهم فأصبحوا أربعة والصينية «المدنكلة» تلك والتي تحوي كلَّ ما لذَّ وطابَ كأنها صينية عريس كانت تتسع لعشرة أو يزيد!!
المشهد هنا لا يحتاج لتعليق.
كان لابد من قفشة من أصحاب النكته البارعين.
لكن قبل ذلك عيون كاميرتنا تتجه إليهما «المهدي ومحمد زين» وهما ممسكان كل منهما بكباية شاي.. ينظر محمد زين للمهدي فيجد أن ابتسامة ذكية قد برقت من تحت كباية الشاي وهو يرشفها «بي مغصة» لم يبدها.. ماذا يفعل؟.. محمد زين أيضاً يجول بعدها ببصره وكباية الشاي قرب فمه ليبحث عن صاحب الصينية الذي أكرمهما قبل قليل.. لكن صاحب الصينية يعرف أن هذا الثنائي «خطير» فيحول بصره بعيداً كأنه لم يفعل شيئاً، أكيد حيصوِّر الجماعة المشهد وتلك المفارقة وستسجل بأحرف من نور، هذا النور سيضيء بعد ساعات حلة تنوب في شكل طرفة. هناك في أرض الجزيرة الكرم طبيعة وجِبِلَّة وتكمن فيه روح المنافسة، كما يقول شاعرنا البنا:
رفاق الضيف أنى حلَّ هبوا
لهم للضيف ضمٌّ والتزام
إذا نحروا العشار مودعات
فلا منٌّ بذاك ولا كلام.
لكن أحياناً المنافسة قد تحدث مفارقة، وشيخنا الخضر ود من الله «رحمه الله» رجل كان طريفاً أيضاً وساخراً.
ذات يوم ذهب لفاتحة في إحدى القرى القريبة من قريته، وبعدما «شال الفاتحة» وقبل أن يجلس أخذه رجل يتولى الضيافة في بيت العزاء جانباً وأجلسه على مائدة بها قدح كبير جداً به عصيدة حارة بي ملاح كان يجلس حولها آخرون.
ثم بعد أن تناول جدنا الخضر منها نصيبه قام وجلس جانباً فجاءوا له بكوب شاي.
لكنه لاحظ أن كل شخص أتى للعزاء بعده أجلسوه على هذا القدح الكبير الذي كلما قلّ ملاحه زادوه، وكلما قلت العصيدة نجدوها بأخرى. فعلق الخضر قائلاً:
ــ إنتو يا أخوانا قدحكم ده ناوين ترفعوا بيهو الفراش؟
ولكن القدح فيما بعد اختلف في الزمان الذي عاشه أساتذتنا محمد زين والمهدي.
فموائد الغداء أصبحت فيها صواني كبيرة منوعة ومدنكلة.
والمشهد الذي قطعناه بطرفة جدنا الخضر لم ينتهِ بعد حيث كاميرتنا كانت ترصد أن الأستاذين الجليلين قد «أدّيا» طعام الأفطار والدليل على ذلك كبابتي الشاي اللتان «محنهما» بهما كرم ذلك الصديق السريع.
فماذا ترى يقول محمد زين، والذي لابد أن يعلق؟!
ومعلوم عن أهلنا في الجزيرة بكرمهم أنك إن نزلت ضيفاً عند أحدهم فأنت ضيف الجيران أيضاً.
البطن ما بطنك
يأتوك مندفعين بصوانيهم.. وقد يكون الضيف مترقباً لشية مع مضيفه الأساسي التي تتسلل «عطرابتها» لداخل الغرفة من الشباك، لكن أحد الجيران قبلها يسرع ويضع الصينية، ويكشف عن عصيدة بي ملاح ويكاب ما أشهاه أو روب أو لوبا.. ثم تتنوع وتكثر إبداعات المضيفين الذين يتنافسون حول الضيف صاحب البطن الواحدة.
قال محمد زين مازحاً وهو يرشف «البقة» قبل الأخيرة في الكباية ويهمس في أذن المهدي: إنت عارف يا المهدي يا أخوي أنا ما عاوز أحلف.. لكني لو الجماعة ديل قالوا لي اتفضل أنا وإنت بي كبابينا دي بنخش لو نموت، ثم التفت لصديقه الذي بادر بكرمه وسأله «ها جنا.. لو صبرت شوييييه مااالك الشفقة ليك شنو؟ غايتو إنتووو!!» التحية للأستاذين الجليلين محمد زين والمهدي ود أحمد ود البشير. ونتمنى أن نحظى بطرائف أهلنا بكل سوداننا الحبيب وما أمتعها من كنوز. صحيفة الانتباهة
ده شنو ده مافهمت اي شئ ؟؟؟؟؟؟
خلي بالك نحن مفرض نضحك يعني، آسف ما في حاجة ممتعة في الكلام ده…