النيلين
سياسية

بين (الشيوعيين) و(الجمهوريين)..!!

في شهر يناير من كل عام، اعتاد من (بقيَ) من أتباع (الفكر الجمهوري) الاحتفال بعيدهم (الجمهوري) بذكرى قتل زعيم فكرتهم محمود محمد طه، ومما يلفت الانتباه اهتمام كثير من (الليبراليين والشيوعيين والعلمانيين) وأضف إليهم (الملاحدة)!! بهذه المناسبة ومشاركتهم هذا الاحتفال، وتمجيدهم لمحمود محمد طه صاحب الدعوى الكاذبة: (الرسالة الثانية)، بل رأيتهم في بعض مواقع الإنترنت أكثر عناية بهذا الحدث، وأشد حرصاً على إظهاره، من الجمهوريين أنفسهم، رغم اندثار الفكر وأفوله ونفرة الناس عنه وإدراك الكثيرين لحقيقته التي تناقض الإسلام.
قد يستغرب كثيرون لهذه الصلة (الحميمة) بين هذين الفكرين، خاصة والجميع يعلم أن محموداً ادعى أن دعوته إسلامية!!! وأنها استهدفت أناساً يريدون الانتصار للدين الإسلامي فيما أظهروا!!! وارتبطت في بعض أفكارها انطلاقاً من نصوص من القرآن الكريم حسب فهم صاحبها ومؤسسها.
ومن ينظر في حقيقة دعوة محمود محمد طه ونتائجها وثمرتها ينجلي له هذا سبب هذه الصلةـ وهي الارتباط بين الفكر الجمهوري والشيوعية والليبرالية والعلمانيةـ بل سيجد أن الأمر طبيعي ولا غرابة فيه!!
كيف ذلك؟!
إن الشيوعية تريد: التحرر من الدين، وعدم التقيد به، وعدم الالتزام بالشريعة، وهذا بعينه نجده في حقيقة فكرة محمود محمد طه، الذي ادعى أن المخلوق يصل بأمور معينة لأن يكون (أصيلاً) ومن ثم يخاطبه الله تعالى مباشرة!! وتسقط عنه بعض التكاليف، ويترتب على ذلك أمور هي ليست من هذه الشريعة، ولذلك فإن موقفه من الصلاة معلوم ومن الزكاة كذلك، وهذه جزئيات مثبتة بأدلتها في هذه الدعوة (الهالكة).
ويرى كثير من الشيوعيين مثلاً أعلى في جرأة محمود محمد طه على التصريح بعدم التقيد بالشريعة من خلال ما طرحه.
فلا غرابة إذاً بما نشاهده من إحياء ذكرى المرتد محمود محمد طه في كل عام من قِبَل الشيوعيين.. طالما اتضح القاسم المشترك بينهم!!! وبهذه المناسبة فإني أضع بين يدي القراء الكرام جزءاً مما جرى بين محمود محمد طه والدكتور محمد أمان بن علي الجامي (المتوفى 1416هـ). وكان مدرساً بالمسجد النبوي الشريف، وأستاذاً بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية لسنوات طويلة. وقد زار السودان سنة 1383هـ تقريباً 1963م، أي قبل اثنين وعشرين عاماً من الحكم بردة محمود محمد طه.
ويحكي لنا قصته مع محمود محمد طه، عبر الرسالة المطبوعة: (المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية).
وأقتبس منها هذه الجزئيات: ومما قال في مقدمة الكتاب: (وأخذوا يحدثوني عن المحاضرة – أي محاضرة لمحمود محمد طه بمدينة عطبرة – التي قرأت عنوانها وطلبوا إلي حضورها وأجبت دعوتهم فحضرتها فإذا بمحاضرة (إلحادية) أكثر ما فيها تمويه وتلبيس ولم أملك نفسي عن المشاركة في مناقشتها على الرغم من أني غريب في الدار بل رأيت أن الذمة لا تبرأ إلا بالمناقشة ومحاولة الدفاع حسب الإمكان، وقمت بذلك فعلاً بعد أن أذن لي رئيس النادي، ولما طالت المناقشة بيني وبين المحاضر اقترح رئيسا النادي إجراء المناظرة إلا أن صاحبنا اعتذر ولم يقبل، وفي آخر المحاضرة أعلنت فما محاضرة دفاعية للرد والتعقيب على بعض النقاط الحساسة التي جاءت في محاضرته وجعلت أسجل في مذكرتي بعض النصوص التي حرفها للمناقشة حولها وقبل موعد محاضرتي حضرت له محاضرة أخرى وناقشته كما ناقشه غيري. ولكن بدون جدوى لأنه لا يحاول الرجوع عن فكرته مهما كلفته الحال لأنه ليس من طلاب الحق.
ولما أعلنت محاضرتي في الشوارع كالعادة المتبعة بادر بالسفر إلى أم درمان، وعلى الرغم من غيابه قمت بإلقاء المحاضرة وحضرها عدد ضخم ونوقشت كالعادة).
ثم قال: (ومن أخطر ما جاء في كلامه- هداه الله- قوله بأن العبد يترقى حتى يسمى بالاسم الفرد (الله) بدعوى أنه يسمو ويعلو روحياً بالرياضيات الروحية وبالخلوة فيترقى إلى درجة الألوهية والربوبية فيسوغ له آنذاك أن يقول هو (الله) {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}، وهذه النقطة هي حجر الأساس في دعوته، وهي هدفه الأول والآخر، لأنه يستطيع بمقتضاه أن يسقط عن الناس جميع التكاليف ويصبح الإنسان حراً مطلقاً لا يخضع للأوامر والنواهي، وهذا ما يريده ويدعو إليه، وما عدا ذلك من النقاط الكثيرة التي سوف تسمعونها فكل وسائل غير مقصودة إلا أنه سلك في دعوته إلى هذه النقطة مسلك اللف والدوران والتعمية على الناس، وكان يحلق في أجواء بعيدة لا يدركها عوام الناس، وفات المسكين (محمودا) أن الإنسان إذا بلغ تلك المرحلة وسُمّي (الله) لا يقف عند الحرية المطلقة التي يشهدها (محمود) بسقوط تكاليف الدين فقط، بل يكون معبوداً لأن الله هو المألوه المعبود، وبذلك يورّط نفسه في أوحال الشرك من حيث لا يشعر).

هذه مقتطفات من هذه الرسالة القيمة والتجربة الموثقة عن هذه الفكرة المنقرضة بفضل الله تعالى، ومن يتأمل شأنها وحقيقتها لا يجد غرابة في أن يكون للشيوعيين دور بارز في الاحتفال بذكرى مقتل صاحب هذه الفكرة، فالنتيجة والثمرة للفكرين واحدة وإن اختلفت الوسيلة واختلف الهدف!!! ولقائل أن يقول: إن كثيراً من الشيوعيين يصلون ويصومون ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأقول: إذاً لماذا يتبعون الفكر الشيوعي؟! فمبادئ الشيوعية وأصولها الماركسية اللينينية معروفة، وترى أن الدين أفيون الشعوب، وإن قالوا نحن شيوعيون في جانب الاقتصاد وسياسة المال وفلسفته فقط، فنقول لهم: وقد تبيّن فشل النظرية الشيوعية في هذا الجانب بجدارة!! بل باتت الدول الغربية الرأسمالية في الفترة الأخيرة خير ملاذ للشيوعيين!! فرفض التدين هو السمة الواضحة في (الفكر الشيوعي).. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره من كره.. وأسأل الله الهداية للجميع.

الصيحة الان

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.