رأي ومقالات

حليم عباس: أمريكا تتعامل مع السودان كدولة مهزومة تجثو على ركبتيها طلبا للرحمة


يبدو أننا نتصور قضية العقوبات الأمريكية على السودان ومفاوضات رفعها بشكل خاطئ. التصور السائد هو أن نظام الإنقاذ أدخل السودان في مواجهة مع أمريكا والمجتمع الدولي، وأن هذا النظام قد سقط بثورة شعبية وبالتالي انتفت أسباب العقوبات والقطيعة مع المجتمع الدولي.

و لكن من الشروط التي تطرحها أمريكا لرفع السودان من قائمة الارهاب (الوصف الأمريكي لكل من هو ضد أمريكا) بالاضافة الى التطبيع مع إسرائيل و فقا لتسريبات، فإن أمريكا تتعامل مع القضية من منظور مغاير كُليا لمنظور حكومة الثورة و الشعب السوداني.
يبدو أن المنظور الأمريكي هو كالتالي: السودان عبر نظام الانقاذ تحدى أمريكا و دخل معها في مواجهة، و أمريكا استطاعت في النهاية عبر سياسة النفس الطويل و التي وظفت فيها آليات مختلفة من ضمنها استغلال قوى سياسية سودانية معارضة، استطاعت هزيمة السودان ممثلا في نظام الانقاذ، و من ثم، بما هي منتصرة في الحرب ضد السودان و توجهاته التي جسدها نظام البشير، فهي من موقع المنتصر تنظر الى الحكومة الحالية كممثل لدولة مهزومة جاءت لتفاوض على شروط الاستسلام.
هذه هي الحقيقة المُرة. أمريكا تتعامل مع السودان كدولة مهزومة تجثو على ركبتيها طلبا للرحمة. و الشعب السوداني الذي يعاني آثار الحصار و العقوبات هو ليس ضحية بقدر ما هو شعب تمت هزيمته. لأنه هو ذاته نفس الشعب الذي أنتج الإنقاذ، مثلما أنتج الثورة المهدية من قبل، و ذلك بغض النظر عن مدى التأييد السياسي لكل من الإنقاذ و المهدية إلا أنهما خرجا من رحم الشعب السوداني. أمريكا تعتبر أنها أجبرت الشعب السوداني على لفظ الإنقاذ، و اللهث وراءها و ترجيها كي ترفع القوبات عنه ( و ليس عن الانقاذ) و من ثم فهي تتعامل من موقع إملاء شروط الاستسلام.

أنا شخصيا كنت أحمل -مثل كثيرين- ذلك التصور الساذج: سقط نظام الانقاذ، لم يعد هناك داع للعقوبات (على نظام الانقاذ). و لكن باطلاعي على الشروط المطروحة في التفاوض مع السودان في دولة الإمارات و التي تضمنت توطين فلسطينيين في السودان الى جانب شروط أخرى متعلقة بسيادة السودان بشكل مباشر، فنحن أمام مفاوضات ركوع و استسلام. و امريكا تتعامل مع السودان كله كدولة مارقة يجري تأديبها و ترويضها و استعادتها الى بيت الطاعة بعد أن تم كسر شوكتها و جاءت تتوسل الرحمة.
هذا هو التصور الصحيح لما يجري الآن، حتى لا نخدع أنفسنا. و حقيقة ليس هناك نصف هزيمة. و الشعب السوداني إما أن يكرب قاشه و يقول لا لأمريكا و إملاءاتها و يرفض الانهزام، و هو أمر يتطلب استحقاقات سياسية من الوحدة الوطنية و المصالحة و الدفاع عن سيادة البلد و كرامة شعبها، أو أن يستسلم و يواصل حتى النهاية، و النتيجة ستكون انتحار لدولة كاملة و لشعب كامل.
ما تريده أمريكا و إسرائيل من السودان هو أمر طبيعي. أي منتصر في حرب يُملي شروطه على المهزوم، و يحرص على تحقيق استكمال أهداف الحرب بواسطة الآليات السياسية، و ذلك عبر الإملاءات.

السودان في هذه المفاوضات لا يملك أي كروت ليساوم بها، يجلس في موقع الراكع المستجدي. نظام الإنقاذ رغم كل شيء في النهاية كانت لديه كروت تفاوض، كان نظام ايديولوجي و له علاقات بحركات اسلامية و يدعم حركات المقاومة الفلسطينية و له علاقات مع إيران. حينما يجلس في الطاولة فإنه يملك ما يساوم عليه و ما يقدمه مقابل رفع العقوبات.

و لكن الحكومة الحالية، و عبر قادتها من العسكر و المدنيين ذوي الجنسيات الغربية، تذهب الى التفاوض و هي لا تحمل سوى قرعة فارغة تمدها متسولة لرفع العقوبات و للدعم أيضا و هي ليست سوى طرف يرفع الراية البيضاء.
لقد نجح عملاء أمريكا في تصوير الأمر على النحو التالي: نظام الأنقاذ إرهابي و سيء، و عدو للشعب السوداني و للعالم، بينما أمريكا و الغرب هم أصدقاءنا، أصدقاء شعب السودان. و هذا تصور خاطئ كُليا، التصور الصحيح هو أن نظام الإنقاذ مهما اختلفنا معه هو جزء من الشعب السوداني يمثل مصلحة و استقلال و عزة و كرامة الشعب، و أمريكا و الغرب هم أعداء هذا النظام و لكنهم ليسوا أصدقاء الشعب السوداني بأي حال، فهم حاربوا النظام بسبب توجهاته التي تتعارض مع مصالحهم و أجندتهم، و هم الآن جميعهم يتعاملون مع السودان كدولة مهزومة لا كدولة صديقة.

لك أن تكره و تحارب الإنقاذ، و أن تسقطها و أن تعلق رموزها في المشانق. و لكن يجب أن تتصور المعركة بشكل صحيح. أعداء الانقاذ ليسوا بالضروة أصدقاء الشعب السوداني، خصوصا إذا كان هذا العداء سببه استقلال نظام الإنقاذ و تمرده على امريكا و النظام الدولي و ذلك بغض النظر عن صواب او خطأ مواقف النظام. في النهاية العالم يتعامل مع السودان كدولة، و كدولة مارقة يجب تركيعها، و يعمل الآن على تركيها بأيدي أبناءها.

Haliem Abbas



‫3 تعليقات

  1. (أنا شخصيا كنت أحمل -مثل كثيرين- ذلك التصور الساذج: سقط نظام الانقاذ، لم يعد هناك داع للعقوبات)
    المشكلة ان السذج الان يحكموننا و يتحكمون في عقولنا و قرارنا.

  2. يا أخي نعم (((( السودان دولة مهزومة تجثو على ركبتيها طلبا للرحمة ))))

    وإن كنت تقارن ما بين الإنقاذ والحكومة الحالية فيا أخي الإنقاذ كانت حكومة في بداية عهدتها خدعت الناس بالإسلام وأنهم لايريدون غير الصدق والأمانة وفي النهاية نهبوا البلد بما فيها وكما تعلم ويعلم الجميع …………
    أما الحكومة الحالية فكل واحد يريد أن يضع اللوم على الآخر ( العسكر من جهة والمدنيين من جهة أخرى) كل منهم يريد أن يتحمل المسؤولية ………..
    فالسودان ضايع بين الإثنين وفي حال لم يظهر منقذ في الشهور القادمة فعلى السودان السلام …. والسبب الأول والأخير هي حكومة البشير في كل المحن التي يمر بها السودان شكوناهم لرب العالمين ….. ولذلك يا أخي ((((السودان دولة مهزومة تجثوا على ركبتيها طلبا للرحمة))))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *