سياسية

في الذكرى ال ٧٠ للاستقلال .. القوات المسلحة لم تكن مجرد شاهد ، بل كانت إحدى أدوات إنفاذه

عند الاحتفاء بذكرى الاستقلال يجب استحضار أدوار القوات المسلحة بشكل واعٍ وذلك لدورها الجوهري وتضحيات أبنائها الأجلاء الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن الأرض والعِرض، وسعوا بوعي وطني مبكر إلى انتزاع الاستقلال وفرض السيادة التامة على تراب هذا الوطن .
▪︎ لقد حاول بعض المؤرخين عن قصد أو غفلة، أن يختزلوا أدوار القوات المسلحة في هوامش التاريخ، أو أن يصوروها كأداة تنفيذ لا فاعل وطني غير أن التاريخ الحقيقي، حين يُقرأ بإنصاف، يكشف أن المؤسسة العسكرية السودانية كانت ركيزة المشروع الوطني منذ بواكيره الأولى، وأنها كانت شريكاً أصيلاً في صناعة الاستقلال، لا تابعاً لغيره.
▪︎ جمعية اللواء الأبيض، تلك الشرارة الوطنية التي قادها طلبة المدرسة الحربية وضباطها، فتقدم الجيش صفوف النضال ضد المستعمر و برزت أسماء خالدة كتبت بدمها ووعيها صفحة ناصعة في تاريخ السودان الحديث أمثال علي عبد اللطيف، ذلك الضابط الذي أعلن أن الوطن يتسع للجميع، و البطل عبيد حاج الأمين، الذي جمع بين الفكر والتنظيم، وعبد الفضيل الماظ، أيقونة الفداء التي واجهت آلة الاستعمار حتى الرمق الأخير، ليؤكد أن الضابط السوداني لم يكن يوماً مجرد جندي مأمور، بل كان ثائراً صاحب قضية.
▪︎ لم تكن اضرابات طلبة المدرسة الحربية إلا امتداداً لهذا الوعي المبكر، حيث تلاقى السلاح مع الفكر، والانضباط العسكري مع الروح الوطنية، في مشهد فريد عبّر عن رفض الخضوع، وعن إيمان راسخ بأن الجيش لا ينفصل عن شعبه وشواغله الوطنية .
▪︎ ثم جاءت مرحلة قوة دفاع السودان ، التي حاول المستعمر أن يصوغها وفق مصالحه، غير أن روحها الوطنية كانت عصية على التدجين ففي الحرب العالمية الثانية، شاركت قوة دفاع السودان إلى جانب الحلفاء وفق اتفاق ، لا بوصفهم تابعين، بل شركاء فرضوا معادلة سياسية واضحة فقد سبق هذه المشاركة تعهدٌ صريح من الجانب البريطاني بتحقيق الاستقلال التام للسودان نظير هذه المشاركة ، وهو تعهد لم يكن ليتحقق لولا ثقل القوات المسلحة ودورها العسكري والسياسي في آنٍ واحد.
▪︎ ومع سودنة الوحدات وتولي القيادة السودانية زمام الأمور، بلغ المشروع الوطني العسكري ذروته ففي ١٤ أغسطس ١٩٥٤م ، تم تعيين أول قائد عام للجيش السوداني بمسماه الحالي، الفريق أحمد محمد حمد الجعلي، ليستلم قيادة الجيش بكافة وحداته وفروعه ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الاستقلال حلماً بعيداً، بل أصبح مسألة وقت ليس إلا.
▪︎ إن القوات المسلحة السودانية لم تكن مجرد شاهد على جلاء المستعمر، بل كانت إحدى أدوات إنفاذه، وصاحبة القدح المعلى في تثبيت السيادة الوطنية فهي التي قاتلت، وفاوضت، وربطت البندقية بالوعي، والانضباط بالكرامة.
▪︎ أجيال ورثت أجيال في مصنع الرجال، وعرين الأبطال، وقلعة النضال التي لم تنطفئ جذوتها وقد استلهم ابناءها اليوم في معارك الكرامة تلك الروح الوطنية لدحر مخطط الاستعمار الحديث .
إعلام القوات المسلحة