Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
قديم 01-30-2006, 04:51 PM   #1
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
السلسلة الماسية-1- قصص سودانية قصيرة

خلال العقود الأخيرة تطورت كتابة القصة القصيرة في السودان.. وظهرت أقلام جيدة لها ابداع مميز..
تقف حالة النشر والاعلام السوداني عن معرفة الناس لأعمالهم الجيدة..
نخصص هذا البوست للقصص السودانية الجيدة..
وليعرفها الناس هنا..
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 04:53 PM   #2
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
حمى الدريس - علي الملك - الجزء الأول

حمى الدريس
علي الملك

تامل كيف أذعن النيل الأزرق للأبيض أخيه فيما أسموه المقرن؟ وباعوا لكما ولكل من لهم آذان وعيون، أسمعوهم بالراديو وأروهم بالتلفزيون، وزينوا لهم أن أعذب الشعر الذي هو دونما ريب أكذبه – ما كان نظم لحظات زمان والآن ينظم،وسينظم فيما يأتي من الزمان في صفة هذا المكان:المقرن،هذا الذي أفقد النيل الأزرق لونه،وعليه هزم. صه ‍! أنت مسرف في حب هذا النهر ..
وتلك هي (وفاء) تقول لها:
&********65293; من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟.
&********65293; أهل منغوليا .. قالوا بل قرات مرة ..
&********65293; كذباً كاذب.
&********65293; من إذن ؟ .
تنظراليها تفحص وجهها تحس انها تترقب اجابة ترد علي سؤال اللبن الزبادي :
&********65293; اهل منغوليا ؟ لا .. بائع لبن حليب كسدت بضاعته !
تضحك هي . وأنت تضحك.
في الطريق إلى بقعتكما المفضلة ، في فجوات الفراغ الصامت التي يثقب الهواء فراغها الصامت، حين يمر داخل السيارة ..الفجوات القصيرات بمقدار الزمان الذي يمضي، الفجوات اللائي لايخشوهن الكلام الثرثار.. فيهن تنشغل مرات بتأمل يزيدهن فراغاًعلي فراغ ، الثرثار الكلام،ذاك فراغ علي فراغ .. انظرعلي الجسر تمر شاحنات وسيارات وحافلات، ومساكين .. وما حكاية اهل القماير؟شاحنة تصران تتجاوزك، جهاز التنبيه فيه ضعيف الصوت، كانه كان ، ثم وهن .. مثل رجل بدين جداً ، سماعك صوته الخافت، دون رؤيته لا ينبئ عن ضخامة جسده.لحظة فيك فارغة تضحك ها. ها . تمرالشاحنة تتجاوز سيارتك تحمل ورق طباعة .. ثقيل حملهاربما كان ثقل ما تحمله تنوء به، سبب العجز في صوت جهازالتنبيه..الليلة يزف الورق الابيض للالات، تزول صفته البياض بحبراسودوحروف ، بكل ما فيها – الحروف – من اخطاء الطابع والمحررين، واخطاء اخري لا يمكن ان تنسب لمصحح او محرر،ورق يزف الي الالات الهدارات كماتساق الخراف الي المذابح، كانك تري الغرب ماثلاً لعينيك، يوم تبصر بالورق الابيض تفرش عليه كلمات صاحبناالدكتور نصر الدين ، موضوعها واحد كشخص ماء يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي هي .. يا حفيظ ..السامة ، السامة ، السامة.
هذا صاحبكم المرح يقول في النادي : أدعو اي فرد منكم للعشاء ولوانه اكمل قراءة مقالة الدكتورنصر .. ها .. ضحكتم كنتم جماعة ، منكم الفاسق بالتصريح ، والذي يريد ان يكون لصاً ويشيد بيتاً من سبعة طوابق ، ليكون مقر سفارة او سفيرلدولة ذات منعة ومال ، ومال لا تاكله النيران .. فاي حلم ؟وفينا من يحرص علي الخمس صلوات ويعتدل للبيرة المثلجة بعد العشاء يقول يحارب بهاالصيف الحار . وذاك الذي امتص دمه حب يائس ، وثلاثة منا جربوا اقلامهم علي رؤوس اليتامي كاتبين في الصحف باختصار : كنا بضعة عشر .. قال احد الكاتبين، كانوا ثلاثة: - اقبل التحدي وامري لله ..عشاء بالمجان ؟امر يطمح اليه كل انسان في هذا الزمان الصعب.
قال صاحب الاقتراح :
لثقتي فيما اقول ، عشاء زجاجة بيرة طمع صاحبنا الكاتب في الزيادة قال: - عرض سخي .. قل زجاجتين .. ردد البعض : - الطمع ودر ما جمع .. الطمع ودر .. قال صاحب الاقتراح : - ماشي ، دكتور نصر الدين ممل .. ممل .. وساكسب انا الرهان ! هذا الذي يجول في ذهنك ياخذ من عمر الزمان طرفاً جد يسير ، ولكنه يسحب علي الراس فيغطيه ، هو ما تسميه حشو الدماغ حين يكف الكلام الثرثار . ولتعلم ان اهل السيارت والشاحنات والحافلات ادمغة وفيها فراغ وكلام ثرثار فيها ، وهم انت ، صة ! انشغلوا عنك، ماهمهم من الامر شي سوي هذه التحفة الجميلة (وفاء)يقولون عنها،بعضهم علي الاقل، ماتقول انت ربما عن ورق الطباعةوالخراف، ولكن ايكما الذبيح ؟ واين السلخانة . الرهان ؟ وما شانك بالقماير ؟ وهل اكملت قراءة اي مقالة للدكتور نصر الدين ؟.
صير كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة .. اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ، يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .. ذاك الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاير) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي..
تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله..حكة تبدأ علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو،تظن انك قضيت علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم ..يقولون الاحتواء واء .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " .. قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحو اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها بظفر،وقد تبلغ مكانها بناب،اوانت اعسر تكون اليد اليسري،او ايمن فباليمني .. بديهي ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها ، ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من العطس انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية ...
شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟ .
حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي .. والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة– مصادفة اتفاقاً كان صوته الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا امرعينيك تكون كارثةلوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا.
اول مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت انت .. قال صديقك الطالب في مصر "" تغير الهواء "" ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها.
المصادفة، الاستثناء وصار قاعدة تلتقيان بعدها .. قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي فيفر) نطقتها نطقاً سليماً ، آه يا زمان فورية ، تظنين ان لغة اهله الفرنسية هينة ناعمة ، موسيقي ولحون ، الا انه كان يلتزم خشونة في الصوت حين يتكلم الانكليزية . لات ساعة مندم آه ولي عهد فورية، ومابقي منه الا الاطياف والا الصور .. وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت : نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى الدريس انقضين وسفر الصيف ,تأخذكما النشوة , أو مثلها, لتلك البقعة كأنما هى من صنع افكارك,لاأرض فيها , لاحقيقة لاسماء تظلها, كالتى تحلم أن تشيد فترى .. بقعة على النيل الأزرق قبل اتحاده مع الابيض, بالمناسبة لماذا لاتؤيد هذا الأتحاد ؟ أمر بسيط , حد الازرق من اندفاعه فيما يسمى المقرن , و أستسلم للابيض , ذكر الشعراء أن النهرين تعانقا هراء ما ذاك عناق , أذعن الازرق للأبيض ..لايملك هذه البقعة فيما يبدو أحد, المهم ليس عليها قصر و لازرع ,يريد صاحبها أن يجعل منها شيئاً هو نفسه لا يعلم ما هو .. شيئاً ما .. أقام عليها خفيراً عم حسين عجوز .. ومن غير العجائز يرضى بواد غير ذى زرع ؟ يغمض عنكما جفنه , يحب السجائر أشد حب , علبة ربما علبتين يقنع بهما ليغمض الجفن عنكما , (أنا مكلف بالصوص فقط ) يقول هو وتقول أنت : و ما يسرق اللصوص ؟هذا الفضاء ظ ام ماذا ؟ ويستطرد عم حسين " كلاب الحراسة نفسها لا تقاوم الرشوة ، تصور قطعة لحم ، احياناً انثي ها .. ها "

التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 05-24-2010 الساعة 08:11 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 04:54 PM   #3
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
حمى الدريس - علي الملك - الجزء الثاني

لم يكن زوج وفاء ثرياء ليس مهماً مهما كان وظيفة سمينة في ميزانية الجامعة ، غسل الامل الامل عقلها بل محاه محوا حين تقدم لها نظرت لكل شئ يعيني امها، تراجع نفسها الان بل هي تسترجع طرفا من اطراف" قدرت فيه العلم ساعتها" تقول آه انك تتحدثين كانك دولة .. تسرف في الحديث عن تكريم العلم والعلماء والمبدعين تقول لها : هنالك علم فوق الثري ودنيا ارحب تحته ليس هنالك فائدة طالما ان المتنبئ وانيشتاين ولوركما وكرومة تحت الثري ..
عرفت الان ابطالك الاثيرين ! كان معيداً في الكلية ، رجل معمل انابيب اختبار مساحيق ، في الوطن كما في الغربة ، الفته المناضد والمكتبات عذب الورق عذاباً اليماً سمكة في بحر الجامعة الاجاج .. تصور كل هذه المنعة في الماء حتي اذا خرج الي اليابسة مات اختنق ومات ، اختنق ومات، (الست بعض اليابسة ؟ بل انت كلها )ومنك السؤال والاجابـة تقول لها : اسميك اذن انبوبة الاختبار.. ماشي تعرف عصمت رجل منظم جداً حتي الان يحلق راسه عند حلاق واحد اعتاد عليه منذ كان تلميذا صغيرا .. امس كان يحدثني عن المرايا حين كانت تجلب من اوروبا قال عند هذا الحلاق كانت المرايا بلجيكية ولكنها استبدلت الان، ربما تهشمت.
ربما قصد تشيكوسلوفاكيا .. قال بلجيكيا لانه لا يحب كان واخواتها .. ومن هن ؟ تشيكوسلوفاكيا واخواتها اهلات الشرق .. اذن فالجهات الاصلية عنده ثلاث ضحكت وهي ترد : والفرعية ايضاً ! غرب وغرب وغرب ، وغرب ، وغرب وهلم جرا !.
نعود للمرايا ، قال انه علي ايام المرايا البلجيكية كان شعر الراس يظهر عليها شعر راس .. والانف الافطس تظهره انفاً افطس والفك فكاً والشارب شارباً و..
يعني تقول المرايا – ايام صباه للأعور : انت اعور. طبعاً كان شئ زمان ! الا تري اليوم ان العيون في المدينة اسمال عيون ! قال ايضا يصنعون المرايا اليوم في المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري ..
نقطة نظام ابن عمتي عنده مصنع في امدرمان وصار ثريا بما غنم من بيع المرايا. طبيعي كل انسان يريد ان يري نفسه ، والمرايا تحقق له هذا ! المهم قال ان مرايا اليوم تظهر الانف الافطس انفاً غير افطس ‍! والفك فكين، والشارب ثلاثة شوارب وعسل العيون يظهر علي المراة كزيت البذرة !. هذا نادر الم اقل انه عالم بدون شك .. ومحدث لبق ثم تعود له سخرية حارقة كلما تطرقا لموضوع زوجها يقول: اليسوا هم اهل الاختراع ؟ انت غبي .. هم الذين اوجدوا الحاجة ! ينذره تعليقها يستدرك قائلاً: ابدا سمعت ان عبقريا لم يدخل الجامعة قط قد اصطنع جنساً من النمل الالكتروني .. نمل ابو ريش،ولكن ليس له ريش ! ولدغته لاتؤلم غير غيرانها تصيب الرجل بالعجز تقعدهم عن الجنس ، وتدفعهم لطلب المعالجة واللهث الحثيث وتمنح النساء خصوبة مطلقة ، اني ارشحه لجائزة نوبل.
نوبل لا ينالها الا من اسعفه الحظ فطرد من بلاده ليصل الي امريكا بتذكرة سياحية ! ومثل عصمت لا يطرد من اي بلد لانه لا يري مايراه الناس .. والاكم عنده دائماً صالح ، اني اعرف هذا النوع تماماً .
اسلم النيل الازرق روحه حين صالح الابيض صلحاً افقده لونه وعنفوانه لهذا كانت تلك البقعة علي النيل الازرق المستقل مكاناً فريد الحسن اذ هي تقع قريباً من مكان خسر النهـر حريته فيه . تحس ان الحياة فيما يعلو الجروف شئياً ، الصغير ياكل الكبير، من المنتصر من الخاسر ؟ علاقة غريقة بين الشط والنهر يظن الاهلون ان الشط يمنع عنهم غضبه النهر ، وواقع الامر ان هذه الامور وضعت باتفاق ازلي والاهلون لا يعلمون فالنهر يعلو بقدر ماتحتاج الشواطي من خصوبة وحياة ، وهو دائماً يخشي ان تنساب مياهه علي الصحاري فتعود تلك تبادله غزوة بغزوة، فهو حين يضمن للشطآن مايكفي حياتهاالخضراء يكون ضمن حياته ايضاًاذان خضرتها دفاع مستميت عن وجوده العذب، وقد تفقد الشطئان طرفا من ارضها تقدمه كعذاري وفاء للنيل،هذا بعض ضريبة البقاء بل هو بعض ادخار اذ حين ينحسر يعيد للشط ماكان شطاً ليكون شطاً وعليه طمي وملح وشباب يتجدد هنا وهناك ، اخذ وعطاء الصحراء فكلا الف كلا ، لها الريح والشمس والقمر .. تمنحها الشمس والقمر الضوء والنظر الممل والحريق ، وتنشر الريح رسالتها الرملية ذرات اخذ وعطاء هل انت سعيد ؟ وهل اعطيت لتأخذ ، ام هل اخذت لتعطي ، وهل تفعل ما تفعل لانك تجد راحة لا تجدها في بيتك ! افضل الا تتحدث عن بيتك ! وانت حين زوجت رجلاً ما كان حين تقدم اليك في نظر امك الا وظيفة سمينة " وانت بحمد الله في سن الزواج " كان عمرك ساعتئذ ثلاثاً وعشرين سنة .. حديثة التخرج في الجامعة " معليش لا نريد ان تذوق من رزقك الان بحمد الله ابوك يعمل والحال ميسور " تريد ان تزوجك سريعاً " وهو شاب مركزه ممتاز ، استاذ .. الجامعة" النحلة الطنانة صوت امك " من اسرة يهني عريقة "اي مذهب للعراقة يعتنق اهل المدينة اليوم؟ زمان كانوا ادق اختباراً، يتبعون اصول الاسر الي العباس عم النبئ ، كل عائلة ويتصل نسبها بالعباس او تنحدر من الشريف فلان والسيد علان تتذكرين ، وكان بالمدينة سادة ونقيض هولاء ، النقيض هذا من بعض ما رايت انت من اهل ذلك الحي مشابهاً ، وبعض هذه الانحاء صارت تقنع بفقرها لا تريد ان تتمرد عليه ، كالنيل الازرق ذاك الجميل الذي اذعن ..قنعت تلك الاحياء بتاريخها، كقول سراة القوم " ياسلام امدرمان القديمة "وهل اتي اعجابهم هذا باللبن للاطفال؟ وهل اكل اهلوها السمك والفراخ ؟ او كقول بعض الخواجات " اه انا نحب امدرمان جداً لا نها اصلية .. اما الخرطوم فانها مثل اي مدينة اخري ، بالمناسبة هل تعرف بيتاً للايجار هنالك يعني في الملازمين مثلاً او علي الشاطئ !" وهل تسر المدينة لمثل هذا الكلام ؟ ام هل امكن للرجال التعساء ان يفدوا اولادهم بذبائح في العيد الكبير ؟ صـه !.
رحلة وطويلة قطعتها بالمثابرة والشوك والعذاب وغير هذا ، زمان وانقضي ، تذكر ذلك التحول المذهل في حياتك يا ابن المامور .. تذكر كيف جاءك يوم لبست فيه عيونك عدسات الحقيقة لم تعد تفهم بعده – كابناء الافندية – ذاك الهيكل الوظيفي الذي تسير عليه البيوت ، رب البيت ، ربة الدارالابناء والخادم خادم، ياتي للبيت او ان الفجر يكدح يمسح ينظف لحين ان يهبط المساء يعود ادراجه لكن الي اين ؟ من اولئك من كان يطمح للتعليم ، يدرس في المساء مثل هذا ترغبون عنه لانه ينصرف للدرس قبل حلول المساء ، اما المـدرسة واما العمل ، من يريد عملاً فعليه ان يقنع بجهالته ، مرة ما جاء الخادم في الموعد المعلوم ، اذهب فتش عنه ، اعمل حسابك انه يسكن حياً ليس كحيكم .. اليوم يوم الغسيل والبيت مترب يحتاج نظافة ، والبيت كله اشتعل غباراً ، وناس سالم افندي معزومين عشا عندنا .. ذهبت غير مقتنع، سالت . سالت فأرشدت هاهي امامك اشباه بيوت اقزام بيوت، ليس فيها من مقام فتسميه بيتاً ، نصق سقف هنا ، وهنا طرف جدار ، معزات هزيلات ، دجاج نحيل ، اطفال يمشون يا الله الله مثلما هم نيام وهزال ، وسالت وسالت فارشدت لقيته خادمكم مريض وقد كان نشاطه في العمل ينبئ انه سيظل علي حاله ذاك الي ما شاء الله واليوم ليس كما عهدت ، هذا نوع من البشر ان طرح جسده علي مرقد فارقته العافية ، ما كان اسمه ؟ لا تذكر الزمن طال لكنه لم يعد الي بيتكم ابداً ربما مات او تمرد او التحق بمدرسة ليلية .. ربما .. ربما.
تسالها
اي السحاب الممطر ؟
ترد :
الذي يحمل في طياته الماء !!
هذه هي اللعبة التي ترتاح اليها ، تسالها فتجيب اسئلة تتسم بالغرابة والفجاءة.
&********65293; من هو طاغيتك الاثير؟.
&********65293; جنكيز خان
&********65293; عصره بعيد هذا اعني طاغية مودرن !
&********65293; مسلم ام نصراني ؟.
&********65293; ليس مهما كل طاغية كافر اذ كل دين هو الانسان .
تفكـــر قليلاً ترد:
&********65293; فاجاتني تماماً ، علي كل انتخب شاه ايران وسوموزا.
&********65293; فيك الخير.
&********65293; كفي الليل لا يحتمل اكثر من اثنين !!.
&********65293; فيك الخير.
&********65293; اذن الثالث النيل الابيض لانه ابتلع الازرق اخاه.
&********65293; شاه ايران وسوموزا.
&********65293; الشاه وتعرف امراة اما سوموزا فلانه ثقيل.!!
زوجك طاغية العصر ، لان حزبه واحد هو نفسه ، وهو الصمت والاستغراق فيما لا ينفعك انت جمع حوله قداسة العلم ان شئت الصراحة الدقيقة عزلة العلم الوحشة عبقري قالوا تذكره انت ايضاً كان يسبقك بسنين في الجامعة ، تذكر صورته ، من ذلك النوع الذي تتحمس الجامعة لتبتلعه في جوفها البارد صيد تؤهله الطبيعة لها، مثلما الغزلان في الغاب تعدلاجواف الاسودواقوياء الحيوان .. فصيلة هو منها من صنوف اسماكها ، فيها صغير وكبير بلطي وخريش وكبروس ، وفيها القرش الكاسر ونظام بديع ، بديع حقاً لاننا نقبله.
كنت تحلم ان تلتقي وفاء في موعد ليس يقاس بزمان ، في مكان ليس يتسم الا بانه لا به في خارطة ، لا يوجد في القارات الخمس اللائي جعلن للجغرافيا اساتذة زائرين.. وقاعات درس.
&********65293; وماذا لو عثروا علي السادسة الضائعة ام هي الغارقة في ماء الزمان ؟ .
&********65293; ليس مهما سيكون فيها عين ما في الاخريات ! نساء حائرات وسلطان جائر !
تقول لها وترسم صور لما تريد ، اذ صارت وفاء قسماً من متعة اليوم وعذابه معاً اليك تعود افكار الخيال اليائس الرهيف .. ينتقل اليها مثلما هي تقرا ما انتن فيه تقول باسمة وقد قرات افكارك :
&********65293; هل انت علي وعدك في انشاء دولة الملح؟
&********65293; تقفز من التامل تصيح :
&********65293; قطعاً لن يدخلها مرضي ضغط الدم العالي ..
&********65293; ضحكت واستانست بلهو الحوار وترد:
&********65293; وانا انشئ دولة السكر ..
&********65293; تقول
&********65293; ونجتمع انت وانا بحق الجوار .
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 04:56 PM   #4
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
فضاء فسيح أخضر-منصور الصّويم


فضاء فسيح أخضر
منصور الصّويم


متدرجة من الأعمق الداكن المائل للسواد ، المحتقنة انكساراته بالندي والبلل وانتصابات الجذور النازة حمرة شفقية شفيفة .. متدرجة الخضرة حتي الأخضر الخفيف المحيل إلي نعاس وارتخاءات مشبعة بزقزقة وهواء لطيف بارد مدغدغ لمكامن الأحلام وانفلاتات الوهم .. متدرجة كالطوق الكرنفالي ، كإكليل وورود برية مستجلبة من عمق تاريخ قديم منسي ومشوش ، تحوطهم ، تتمازج ولون ستراتهم المبقعة بهذا الداكن عميقاً مائلاً للسواد ، متقافزاً في تدرجاته حتي الأخضر الشاحب المصفر كأوراق باتجاه موتها وئيداً تتبدل ، يحيطونها الخضرة ، تغطيها أجسادهم المتماوجة كالأظلال المتسربة ، كانسحاب الضوء المتكسر شتيتاً علي الأغصان ، يطوقونها الخضرة بأزير همساتهم المكتومة ، هسيس نيرانهم المشتعلة بمباغتة هادئة ناسفة وميتة يسحقونها الخضرة بهذه الأقدام المغلقة داخل الأحذية الثقيلة النزقة وهي تكسر الأغصان والأشواك وتسحق التربة.. قرب التربة الطينية المبتلة فوقها انحنت ثلاثة أجساد ، أزاحت الأغصان والأعشاب والأوراق الميتة ، جسدان منهكان مبقعان بالخضرة المتداخلة وبالعرق واللامعني ، رميا بإهمال الحقائب الصغيرة والبندقيتين الآليتين ، ارتميا بتعب علي التربة الطينية الرطبة ، أخرج أحدهما حزمة من أصابع الخشب الملونة والمقومة بتناسق بديع ، شرع الآخر في بناء ميدان طيني مستطيل مشكل من المربعات الصغيرة النازة رطوبة. ناول الأول الثاني أصابع الخشب المطلية بالأحمر الباهت حتي وسطها وابقي لنفسه الأصابع ذات الطلاء الخشبي الناعم بدآ اللعب.. منتصباً قربهما تابع كل شئ بعينين تعبتين ، هامدتين ، مسكونتين بالسكون والظلام.. التفت ورمي نظراته الميتة علي الجسد الرابع المكوم علي الطين الرطب مغمض العينين مفتوح الفم وأنفاسه تتهدج بصوت مسموع انحني اقترب برأسه من المستطيل الطيني الصغير بمربعاته الرطبة توقف الأصبع الخشبي المطلي بالأحمر الشاحب حتي وسطه ، علق في الفراغ قرب رأسه همس ... لكن ماذا أفعل به .. امتد أصبع الخشب الناعم وانغرس في وسطه .. مبحوحاً وضجراً خرج الصوت .. من .. بعينين محتقنتين بالدم والغباش والدخان كان يحدق بهم والعيون الكابية المطفئة تشير عليه.. هذا.. طرقعة خفيفة ذات صدي خشبي حاد نتجت لدي اصطدام أصبع الخشب .. تلفت ، حرك عنقه يميناً ويساراً دور مؤخرته علي الطين الرطب وهو يستدير بأكمله، زوى عينيه وهو يشير الي الخضرة المعلقة في الفراغ بين انكسارات الضوء المبعثرة علقه هناك ... انسحب وتحرك باتجاه الجسد المكوم واصلا اللعب أحس بلزوجة الطين وبانبراش الأوراق الميتة تحته ، أحس بالأشواك تتكسر منغرزة علي جسده وبالأغصان حديثة الموت تعلق بسرواله وتنجر معه ...مسحوباً بإهمال علي التربة العطنة ، مقلبا بغباء علي الجذوع الميتة والمحترقة ، ملتفاً به عبر انحناءات صغيرة عشبية ضحلة ونتنة ، مسحوبة بموازاته أبصرها الخضرة ، مهتزة ، متعرجة ، ومظلمة كالألم والأنين والتأوهات المتقطعة ، الجمر ملتهباً أحسه ينضج تحت جفنيه محيلاً المشهد بأكمله الي حريق لا نهائي ، أغمض جفنيه علي اللهب ، خمش بأصبعه الطين الناز وتركه مسحوباً بإهمال الجسد هنا همس وتوقف لا بد أشار الي هنا .. فكر وحدق بعينيه الكابيتين علي الجسدين البعيدين المنشغلين بلذة غرس الأصابع الحمراء والملساء في مربعات المستطيل الرطب ، كسر نظراته ثم ركزهما علي الجسد المكوم تحته هامداً وساكناً.
أنزل الحقيبة الثقيلة ، حشر يده داخلها وأخرج كومة من السلاسل الحديدية أخذت ترن وهو يكومها علي الجسد الهامد ... ترك يديه بمرونة وتراخ تنشبكان بسلاسل الحديد ، ترك قدميه وبموات تسلمان ساقيه لسلاسل الحديد ، تمطي كمن يتثاءب والسلاسل تشد .. بين شجرتين في فراغ الضوء المتكسر علي العتمة تثبت الجسد هناك والجسد الآخر تحته يزن بعينين كابيتين المدي بين الساقين ، المدي بين يديه والجسد المعلق مشدوداً بين الشجرتين .. كان يتبادلان الأصابع الخشبية ويرسمان من جديد مستطيل الطين ويبنيان عليه المربعات الصغيرة. أوقفا كل شئ حين انحنى عليهما بعينيه الكابيتين ، قال: .. علقته .. هناك .. والتفت وأشار بيده الي جهة الجسد المعلق بين الشجرتين داكناً وطينياً . قال أحدهما وهو يتكئ بمرفقه علي الطين الرطب .. علقته : إذن اسلخه .. اسلخه حتي الموت . حول نظراته للآخر المنشغل بهندسة المربعات الصغيرة ، مد باتجاهه الأصابع الخشبية الناعمة .. تركهما وراءه وتحرك باتجاه العتمة المثقوبة بالأضواء المتكسرة ، حرك سكينه ، سكاكينه ، مشارطه ، مباضعه ، أدوات السلخ كاملة تفقدها بجيوب سترته وبنطاله وحذائه الضخم : توقف قبالة الفخذين الضامرين الملطخين بالطين والدم المتخثر ، حدق بهما ، تأكد من سلامة انفراجهما ، صعد هذا الرجل كابي العينين نظراته علي الوجه المرمي علي الصدر ، ساكناً مثل وجه مومياء نفتها الآلهة إلي الأبد .. غرس المدية الناحلة ببطن الفخذ ارتعش الجسد غرسها أكثر انتفض الجسد ، ارتفع الوجه ثم هوي ثانية علي الصدر ، تأمل شريط الدم القاني المنحدر بسيلان بطئ راسماً طريقاً علي الطين وتكسرات الأوراق الملتصقة بالفخذ . تعب مباغت حل بالجسد وترك العينين أكثر انطفاء ومواتا ، خيوط ضوء مبعثرة أحاطت بالجسد المعلق و أغرقته في بحر من السرابات المتراعشة ، دوار خفيف ، مد يده تعلق بالقدم المأخوذة بالسلاسل ، لبرهة متوهمة تأرجح الجسدان في المدي المتراقص تحت ظلال الإضاءة المتكسرة ، وسد وجهه القدم الباردة وغاص في ظلمات تعبه الخاص المبهم ، ومضة احتجاج سريعة وقاطعة لسعته .. لن أسلخه بأكمله منطقة صغيرة تكفي حتي الموت .. أزاح السروال القصير الممزق ، ركز بصره بين الفخذين ، تأمل الخصيتين المنكمشتين في جفاف ، تفجرت ، بذهنه مئات المشاهد الخضراء الدامية لخصي تسلخ وتقطع حتي الموت ، انحني علي حقيبته ، تناول أدواته ، بالملقاط جذب الجلد المنكمش وشده ، ترجرج الجسد المعلق بالسكين. اقتطع أولي السلخات ، آهة ثقيلة مشبعة بالذهول والاندهاش تفجرت عبر مدي قصير لحظوي ثم تحولت لحشرجات وانتفاضات منقبضة بالصدر .. عينان شعتا بوميض الانشباك ، عينان ، شعتا لأثر الورطة .تلاقت الأعين ، همس المعلق المصدوم لانكشافه.. أين ..متقطعة ، ذائبة في حمض انحلالها ، باهتة بلا معني تلقاها .. بسكينه أزاح فيض عرق غطي وجهه همس .. لا تهتم سريعاً ستموت .. لكنه انحرف مأخوذاً بفضاء فسيح أخضر ، تتخلله أضواء باهرة وتهزه أجنحة ترف بعيداً.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:09 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 05:04 PM   #5
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
انسان على شواطئ الحب والهلاك - عبد المنعم ابونار

انسان على شواطئ الحب والهلاك
عبد المنعم ابونار


«ما سر هذا الخوف والجزع الذي يرتسم على وجهه كلما تطرقنا الى هذا الموضوع؟»
أجبني يا مصطفى هل ستأتي اليوم؟
لقد ضجر أهلي من كثرة رفضي لكل الخطاب وبصراحة هذه المرة أنا محرجة منهم وموقفي ضعيف.
ورد مصطفى قائلاً .. نعم .. نعم سآتي اليوم يا حبيبتي
لنعلن اننا اصبحنا كوكبين يجب ان يدورا في فلك واحد...
لاحظت منى تكدر وجهه واضطراب عينيه، صمت برهة .. صمت... صمتا ودخلا في مناجاة وبوح ذاتي..
اني احبها اجل .. وجهها تكسوه هالات من النور والجلال .. على عينيها كساء شفيف من التبتل والخشوع..
أجل سآتي لمَ لا..
اليوم نتوج احلامنا كم.. احبك، لو تدرين ان سر وجودي وحياتي انت كنوز من المحبة طاقات لاتنفد من السحر الآسر والزمن النبيل..
طفرت هذه الكلمات من فمه عفواً..
ثم عاد الى صمته ومناجاته..
الاطفال سيأتون مشوهين يحملون بطاقات الرحيل المبكر..
إني أحبها .. جسدي يشتعل حباً .. نيران جهنم في دواخلي تمور ..
شرايينك تفح بالداء العضال .. انفاسك تفوح منها روائح الموت والمرض
اني احبها وهي تحبني والدنيا ساعة والسعيد من استغلها..
جسدك محمل بالوباء والسموم
جسدها يضج بالانوثة والشباب.
«وجه يصفو احياناً ويتكدر يضئ ويظلم فيما يفكر ياترى؟ عيناه لم تعدا بذلك الصفاء اختفى بريق التطلع فيها والوثوب جذوة الأمل تشع وتغوص، شفاهه تجف وتينع»..
وجهك زاوي وأطرافك يابسة والداء دب في أوصالك وصارع جسدك بعنف وقسوة...
الحب سيعوضني عن كل هذا..
انت ميت انشغل عنك القبر..
هي في مقتبل العمر .. وجهها اخضر وقلبها ملئ بالخير والشباب ..
الاطفال .. الوباء .. الأسى .. الدموع .. السموم
شكلت هذه الكلمات غمامة في عقله وحجبت ما سواها من افكار وسالت الدموع من عينيه غزيرة كأنها فتحة في سقف ممتلئ بالماء وبكل ما تبقى عنده من قوة نطقها «لن آتي».
تغيرت تضاريس وجهها تماماً ونبتت فيه علامات كثيرة من الحسرة والاندهاش جفت شفتاها.. يبست الكلمات في فمها اهتزت هزات عنيفة كأنها طائر ذبيح وصرخت في وجهه بكل ما تحمل من مرارة وحزن والدموع تنهمر من عينيها: ألم اقل لك انك لاتحبني .. انت خائن كنت ارى الغدر في عينيك لماذا .. لماذا؟ واخذت تبكي بكاء حاراً..
مني.. أنا والله احبك وما احببت غيرك، وغداً تدرين .. وتعلمين كم كنت صادقاً.. اخذت تعدو وهو يصيح كم احبك..
وهي تعدو وتبكي ...
وهو يبكي ويقول في همهمة حزينة: «غداً تعلمين أي حب قد حملته لك»

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:13 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 05:07 PM   #6
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
قطار الشمال الآخير- عادل محمود احمد الامين

قطار الشمال الآخير
عادل محمود احمد الامين


استقلت ميري على العشب عارية تماماً تتأمل القمر الشاحب يطل خلف نتف السحب الهاربة، كان خرير الماء في النهر الممزوج بهدير الأشجار وصرخات وعواء الوحوش يشكل سيموفنية الغابة الموحشة، سمعت وقع خطوات ثقيلة متعثر تدوس على الأعشاب الجافة، أجفلت لحظة واستدارت إلى جانبها تتأمل القادم الجديد، والتقت عيناها بعينيه، ذلك القادم الخجول، كان جندي في ريعان شبابه أبيض اللون أزرق العينين، شهقت ميري وهي تتأمل الرجل الذي وقف في ارتباك، عدل عن رأيه في التبول، لكن كان وقف الانسحاب قد فات، فقد استقلت حورية الغابة على العشب مرة أخرى وباعدت بين ساقيها وأغمضت عينيها في استسلام.. اقتربت الخطوات المترددة وبدأت لعبة الطبيعة بكل عنفوانها، كانت تجربتهما الأولى على ما يبدو، ومضت اللحظات، دون صفير حاد في الجوار يؤذن للفصيل العسكري المدجج بالسلاح بالانسحاب من القرية الخالية من المتمردين إلا قليل من النسوة والأطفال والرجال المسنين ركض الجندي على عجل وارتدى ملابسه، حمل بندقيته، وأخذ يعدو نحو القرية تاركاً المرأة في حالة من الغيبوبة الحالمة، عند الفجر استيقظت ميري وتلفت حولها تبحث عن بقايا الحلم اللذيذ.. هل يعقل أنها كانت تنام مع رجل القمر ؟ . ذلك الرجل الجميل الذي يتجول في الغابات ليلاً ويخصب العذارى فيلدن بنات جميلات، يكن مصدر خير وبركة لأهلن، البنت الجميلة تعني المهر الكثير كعادة أهل جنوب السودان، قد جاء رجل القمر بملابس جندي من جنود الحكومة لا يهم أنه نفسه رجل القمر كما كانت تردد نساء القرية المجربات.. نهضت ميري وجمت الملابس التي جاءت بها تغسلها في النهر، حانت منها التفاته إلى شيء يتلامع على الأرض جوارها، كانت سلسلة ذهبية معلق عليها قلادة منقوش عليها اسم باللغة العربية ومفتاح، وحملتها ميري بلهفة وعلقتها على جيدها الأسمر الجميل ومشت تترنح في نشوة صوب القرية.. حدث ذلك في منتصف الخمسينات من هذا القرن
عندما ولدت ميري ابنتها يار، شهق الجميع من الدهشة، كانت طفلة خلاسية غاية في الجمال أخذت هذه الطفلة تكبر وتترعرع بين أترابها وجمالها يزيد ويتوهج ويلتف حتى غدت مزيجاً رائعاً بين الكاكاو وذات قامة ممشوقة كأشجار الأبنوس، وعند بلوغها الخامسة عشرة ذاع صيتها بكل مكان، يار الجميلة بنت رجل القمر، تقاطرت وفود الخطاب، وارتفع مهرها حتى صار ألف بقرة وجدها فرنسيس يساوم في اقتدار وأمها ميري تنظر إليها في فخر واعزاز.. تزوجها أخيراً عثمان دينق ابن رث (2) قبيلة المنداري، تزوجت يار من عثمان وعاشا سعيدين في العهد الذهبي للسودان في السبعينات وبعد أن أطفأ مؤتمر أديس أبابا* نار الحرب الأهلية في البلاد.. ولدت يار ابنها الأول بيتر وفي منتصف السبعينات ولدت بنتها فاطمة وتريز.. ومضى الزمان هكذا ليطوي الصفحات المشرقة وينفجر الوضع مرة أخرى في الجنوب بشكل أكثر قسوة نتيجة لعبث السياسيين القذرين.. اشتعلت النار مرة أخرى في منتصف الثمانينات وبدأت حركة نزوح تجري للأهالي في كل الاتجاهات ولأول مرة يتنازع عثمان مع زوجته يار، فقد اختارت يار الاتجاه شمالاً واختار عثمان الاتجاه جنوباً وقد حسما الصراع بينهما، أخذت يار ابنها بيتر ورحلت صوب الشمال إلى مدينة أويل حيث خط السكة الحديد والقطار الذي يقل الناس شمالاً، أما المنكود عثمان اختار السفر جنوباً والعبور إلى الحدود اليوغندية مع ابنتيه للأسف قتله المتمردون هو وابنتيه وعلقوهم على الأشجار وقد شاهد ذلك بعض النازحين شمالاً وأخبروا يار بموت زوجها وابنتيه، بكت يار بكاء مراً في محطة القطار في أويل وكان بيتر المسكين ينظر إليها في إشفاق.. ووضعت وجهة بين كفيها ونظرت إليه بعينيها الواسعتين الدامعتين ورددت في إصرار.
بيتر !! لا تكن غبياً كأبيك عليك دائماً بالقطار الذي يتجه شمالاً.
نعم يا أمي سأفعل ذلك دائماً ما حييت.
تحرك القطار من محطة أويل ينؤ بحملة النازحين، كأن الحظ أراد أن يبتسم ليارو ابنها مرة أخرى، شاهدهما سائق القطار محمد عثمان ومعاونه سيد أحمد يجلسان وسط أكوام النازحين.. يبدو أنه نداء الدم، تفضل عليهما الرجل الطيب الركوب في العربة الخاصة بالسائقين في مقدمة القطار بينما ركب جميع النازحين من مختلف القبائل والأعراق في العربات الخلفية للقطار.. ظل القطار ينهب الأرض في رحلته الطويلة وبعد مسيرة مضنية وصل القطار منطقة القردود (3)، هناك أطلت مأساة بشعة بوجهها القبيح كان أحد المتنفذين الحزبيين يشعل الفتن والنعرات القبلية بين قبائل الغرب والجنوب ونتج عن ذلك أن قام المستوطنون بإحراق عربات القطار التي تعج بالنازحين.. جاهد السائق محمد عثمان في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بفصل العربات المحترقة والانطلاق بالقطار.. نجت يار وابنها من المجزرة بحكم تواجدهما في مقدمة رحلته، أخذت تظهر حواضر الوسط والشمال أمام يار وابنها كالأحلام.. أخيراً جاءت الخرطوم.
* * *
في معسكر البانيتو (4) الذي يقع جنوب محطة القطار في مدينة الخرطوم بحري حيث يفصل شريط القطار بين الجنة والنار، الجنة التي تمثلها الأحياء الفارهة الصافية وشمبات، والجحيم الذي يمثله معسكر النازحين المصنوع من الصفيح والخيش والجولات استقرت مع ابنها بيتر، كانت تقوم بزيارات يومية للأحياء الفاخرة، تغسل الملابس وتنظف البيوت وتعود عند الغروب منهكة تعد طعام الغداء من الطعام الذي تجود به ربات البيوت الطيبات في تلك الدور الجملية وتجلس في انتظار عودة ابنها من مدارس رمبيك (5).. وهكذا كانت حياة يار وبيتر، كما حكاها بيتر الرجل الغامض الذي التقاه يجلس بمقعد في شارع النيل الظليل في الربع الأخير من الثمانينات.. وجده بيتر يحمل كراسة وقلم يكتب شيء ما.. لعلها أقوال شاهد إثبات (9).
* * *
إن السكن في معسكرات النازحين التي لا تعيرها الحكومة التفاتاً شكل مأساة حقيقة ليار الجملية وابنها المسكين.. يتهجم الرجال عليها ليلاً يقضوا وطرهم ويتركونها منهكة ولا تجد من يحميها منهم وتعاني أيضاً من التحرشات عندما تعمل في تلك القصور الفخمة في الجوار.. بدأ الهزل يدب في جسدها وجمالها يذبل تدريجياً وفي زمهرير شتاء يناير البارد كانت تسعل وتبصق دماً، حز ذلك في نفس ابنها، ترك المدرسة ومضى يغسل السيارات في شوارع الخرطوم، جلست يار في البيت تعاني المرض العضال، ذبل كل شيء فيها، فقط بقيت عيناها الجميلتان تنظر بهما إلى ابنها الذي يعود عند الغروب محملاً بالطعام والدواء، في ذلك اليوم غسل بيتر سيارة الطبيب عصام وأخبره بقصة أمه المريضة.. طلب الطبيب منه أن يحضر أمه عنده في المستوصف وأعطاه كرت الزيارة، فرح بيتر بالكرت الذي سيضع حد لآلام أمه، كان الطبيب فلسطيني يعمل في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني (6) جوار حديقة القرشي في مدينة الخرطوم.
* * *
نزل بيتر من الحافلة التي أقلته قرب المعسكر.. كان الوقت عصراً، عاد مبكراً اليوم ليزف لأمه الخبر السعيد.. في المعسكر كان ينتظره شيء آخر!! أكوام من النسوة الثاكلات أمام كوخهم.. إذاً رحلت أمه يار دون أن تودعه طفح الدمع في عينيه مدراراً، شاهده الأب لوقا وبعض الأصدقاء الطيبين ينسحب القهقري، ناداه الرجل واحتضنه وحمل الجميع الجثمان إلى الكنيسة المصنوعة من الأخشاب عند الطرف الشرقي من المعسكر، هناك تمت مراسم الدفن، وجلس بيتر يبكي عند قبرها كثيراً، اقتربت الأخت ما جوري وأعطته آخر وصايا أمه السلسلة الذهبية والقلادة والمفتاح وسوار ذهب في خرقة من القطيفة القذرة، أخذ بيتر أشياء أمه الراحلة وشكر الأخت ما جوري وأنسحب من المعسكر مع أشعة الشمس الغاربة وقف عند شريط القطار، كان القطار يتهادى خارجاً من المحطة في طريقه إلى الشمال في منظر اعتاده بيتر مراراً.. ولكنه اليوم يختلف تماماً، اعتملت في نفسه الجريحة أفكار سوداء، " هل يلقي نفسه أمام القطار ؟! أم يستقله ويرحل به شمالاً".. جاءه صوتها الحالم مع نسمات الغروب "بيتر لا تكن غبياً كأبيك.. عليك دائماً بالقطار الذي يتجه شمالاً". ترددت أصداء كلماتها في نفسه مراراً والقطار يقترب ويتخطاه مضاعفاً سرعته، ركض بيتر خلف القطار وتعلق بآخر عرباته وصعد على سطح القطار المكتظ بأفواج المسافرين.
* * *
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:14 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 05:09 PM   #7
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
قطار الشمال الآخير - الجزء الثاني


على سطح القطار، قطار الشمال المتجه إلى حلفا كانت الدنيا تتبدل وتتغير أمام عيني بيتر الحزين، بدأت تظهر الصحاري والرمال، أشجار النخيل.. إنه السودان ذلك البلد العجيب. "كيف يتباين بهذه الصورة؟!" غابات دائمة الخضرة في الجنوب صحراء قاحلة في الشمال وتوالت حواضر الشمال كأنما كان يقلب البوم صور، مدينة شندي المزدهرة بالتجارة مدينة عطبرة التي تسبح في الأضواء وهي أشبه بمدينة بريطانية في قلب أفريقيا، مدينة أبو حمد النقطة التي يعبر منها القطار إلى الصحراء الموحشة عبر محطات خلوية إلى مدينة وادي حلفا عند بحيرة السد العالي في الحدود السودانية المصرية.. كان هذا التباين في المدن التي يمر بها القطار مثار دهشة بيتر.. لهجات كثيرة يتحدث بها الناس لا يعرفها، لغة عربية مكسرة لتتداول بين الغرباء، تمكن بيتر من صنع صداقات عابرة مع عدد من المسافرين، طلاب يذهبون للدراسة في مصر جنود يذهبون إلى زويهم، تجار من دارفور يخبرونه عن النهب المسلح في غرب السودان وتداعياته الأمنية، نساء مسنات يشركنه في زادهن.. إن القطار عبارة عن مدينة متحركة، تتشابك في العلاقات الإنسانية وتتعقد يتبدل الناس تباعاً، إنه شيء أشبه بالحياة.. تتخذ صديقاً فينزل ويودعك في المحطات التالية، هكذا رحيل دائم، "كما فعلت أمه يار!!" بعد رحلة مضنية ومثيرة وصل بيتر إلى مدينة حلفا ليلاً وكأنما ناداه الحنين إلى الغابة اتجه نحو المزارع على ضفة النيل هناك تعرى خلع ملابسه وقفز إلى النيل سابحاً إلى جزيرة وسط النيل خرج نم الماء وتمدد على رمال الجزيرة .. شعر بالجوع.. تفلت حوله.. إنه ابن الغابة فقد اعتادت الغابة إطعامه في الجنوب.. شاهد ثمار (10) حمراء ملونة صغيرة لنبات بري ينتشر حوله، أخذ يقطفها ويأكلها كان لها طعم لاذع لا ينسجم مع منظرها الجميل ظل يأكل بنهم وفجأة شعر بخدر يسري في جسده وأنفاسه تتلاحق "تباً لهذه الثمار" قذف بها بعيداً ثم شهق وسقط على الأرض ينتفض من الحمى وراح في غيبوبة عميقة، كان آخر ما شاهده طيف رجل يقترب من البعيد ..
* * *
فتح عيناه ببطء شديد وشاهد السلسلة الذهبية تتأرجح أمام ناظره ووجه طيب لرجل ذو لحية بيضاء مصقولة وعينان زرقاوان ينظران إليه بحب عميق وسمع بيتر صوت الرجل يتحدث بلهجة قبيلته المحلية في الجنوب لهجة الدينكا.
من أنت ؟! ومن أين حصلت على هذه القلادة ؟؟
تحدث بيتر بصعوبة ولكن كان يبدو عليه الارتياح.
اسمي بيتر عثمان دينق وهذه القلادة أعطتني لها أمي يار وقد ورثتها عن أمها ميري التي أهداها لها رجل القمر (8).
رجل القمر !!
أخبرتني عنه الجده ميري بأنه رجل جاءها بملابس الجنود فنام معها وانجبت منه أمي يار.
شعر بيتر بأن هناك شيء كالأمطار يتساقط على وجهه، إنها دموع الرجل الجليل الذي ردد في لهفة.
أين أمك يار ؟!
ماتت في معسكر البانيتو للنازحين بالخرطوم بحري… بالدرن.
انفض الرجل على بيتر يحتضنه ويبكي بحرقه.
- آه يا با ابنتي يار .. يا آآ آر..
أخذ بيتر يجتر بالمأساة للرجل الطيب الذي جلس جواره في سرير المستشفى بعد أن استعاد وعيه وبدأ يتبين الوجوه الطيبة الملتفة حول سريره ينظرون إليه في إشفاق ويتحدثون بلغة لا يفهمها ولكنها ليست العربية..
أردف الرجل:
ماذا كانت تعمل يار ؟
تغسل الملابس وأشياء أخرى الـ …
ممممم .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ما كان يحزنني ذلك لأنها كانت تفعله من أجلي ..
نعم يا ابني أمك كانت عظيمة، يرحمها الله .. إنها الحرب البشعة !! بالنسبة لك يا ولدي انتهت الحرب ستعيش معنا هنا وتدرس في المدرسة عندما تخرج من المستشفى.
تنفس بيتر الصعداء وأغمض عينيه ونام مرة أخرى في سكينة يشوبها الارتياح..
* * *
في الصباح الباكر، كان بيتر يسير مع أقربائه الجدد في طريقه إلى المدرسة يتحدثون بلهجتهم العجيبة التي لا تشبه لهجته وأيضاً ليست بالعربية، يبدو عليهم أنهم فرحون بوجوده بينهم أخذ الجد عبدالجليل يشرح له معالم المدينة الوادعة، حلفا القديمة.. كان ينظر إلى أشجار النخيل الباسقة ويقارنها بغابات التيك والمهوقني في الجنوب، ينظر إلى الأرض الصلعاء والرمال من حوله ولا يجد فيها شبه لإعشاب السافنا الغزيرة، الهدوء العام الذي يسود المدينة إلا من ضجيج السيارات الذي يذكره الخرطوم أو هدير البواخر تمخر عباب البحيرة، بحيرة ناصر، تقل المسافرين إلى مصر شمالاً.. لا صدى أبداً لطلقات الرصاص أو الإنفجارات والقرى المحترقة التي علقت بذاكرته منذ الطفولة البعيدة "هنا في الشمال لا حزن لا دمع سائل ولا ليل ولا هم طائل " (11).. كأنما قرأ الجد عبدالجليل أفكاره انبرى له قائلاً:
- نعم بيتر.. لا توجد حرب هنا.. ولكن هناك الأسوأ الفيضانات والسيول المدمرة التي تقضي على الحرث والنسل.
أومأ بيتر موافقاً.
هو كذلك يا جدي، لكل مكان في بلادنا الحبيبة آفاته الطبيعية ولكن الحرب من صنع الإنسان!.
نعم صدقت يا بني .. باللعار !!!
عند محطة القطار شاهد بيتر بعين دامعة القطار قادم يتلوى من بعيد، تنهد في أسى وردد في نفسه الجريحة "ليت الموت أمهل أمي يار.. حتى تستقل معي قطار الشمال الأخير".
هوامش:
* الحرب الأهلية في جنوب السودان.
(2) رث: ملك أو سلطان.
(3) أحداث القردود : فتنة أشعلها أحد نواب قبائل الجنوب وقبائل كردفان.
(4)معسكر البانتيو: اسم معسكر النازحين في الخرطوم بحري بانتيو في جنوب السودان.
(5) مدارس رامبيل: مدارس فتحت في الخرطوم لاستيعاب الطلاب النازحين من الجنوب، رمبيك مدينة في جنوب السودان.
(6) الهلال الأحمر الفلسطيني: كان موجود جوار الحديقة ذلك الزمان.
(7) اتفاقية أديس أبابا 3 مارس 1971م أوقفت نزيف الحرب في الجنوب.
(8) رجل القمر : أسطورة من تأليف الكاتب.
(9) أقوال شاهد أتبات: ديوان شعر للفيتوري.
(10) نبات السيكران: نبات بري سام يكثر في الجذر على النيل وضفافه.
(11) أغنية صابرين للمطرب الراحل / مصطفى سيد أحمد.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:15 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 05:13 PM   #8
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الصف - احمد ضحية

الصف
احمد ضحية


( الى صديق جميل . عارف باسرار الصفر : علاء الدين بشير..
محبة وود .. انها , لك .. انت , وحدك .. لا شىء ..)
قالت لها العرافات : (ستخرجين من عتمتك الى اشراق , يملؤك بالنور . فلا ترين سوى دربا اخضر , وجدر تسلقتها نباتات الخريف, وبين بين نهرين من اللبن والخمر , على ضفافيهما تنهض اشجار المانجو , التى تغرد بين تلافيفها الطيور الملونه , وتجلس تحتها الطواويس والغزلان ..
ستخرجين من عتمتك الى بوح ندى , يخاطبك الناس بالشعر , فتتكلمين بلغة العصافير , وتدركين اول الانبياء .. تحكى له عن طى الزمن , والمسافات , والوجوه المغبرة , وعكرة خلفتها وراءك . فيبادلك الحكمة , ويبتسم ثم يسجد ..
تنتظرينه وتنتظرينه , لكنه لا يرفع من السجود . فتغادرين الى الاشراق .. ) ..
خرجت خديجة من الغرفة المعتمة , دون ان تعير ولد العرافة الصغير , المتكىء على مواربة الباب , التفاته . مضت فى الدرب الملتوى , تتجنب المستنقعات والبرك الصغيرة , فى الزقاق المظلم . وتخشى ان تهاجمها كلاب الحى على حين غرة ..
وهى تخلع ثيابها حائلة اللون , لترتدى قميص نومها الداكن , الخشن , سالتها امها بلامبالاة :
* اين تاخرت كل هذا الوقت ؟!..
فاجابت باقتضاب وهى تستلقى على سريرها :
* اخذتنى مريم الى جدتها العرافة ..
كانت صديقتها الوحيدة مريم , قد الحت عليها , بالذهاب معها الى جدتها العرافة , ذات المهارات المتعددة __ ( فهى تخط الودع , تقرا الكف , تضرب الرمل وتفتح الكتاب .. بعد ان تضع اعواد البخور , على المباخر العديدة المنتشرة فى الغرفة الضيقة , الصغيرة , بضؤها الكابى , الموحى .. ليتصاعد الدخان السحرى , محيلا الرؤية الى ضبابية , متقشعة . مسربا الخدر , والاحساس بالوجع اللذيذ . الخفى . فى كل شىء ..حتى قطع الاثاث العتيقة ..
كانت مريم دهشة للسؤال الذى يطرحه حال خديجة , فهجست بالاجابه عن هذا السؤال . باحضارها الى جدتها , ولية الله الصالحة بنت يونس , التى ولدت مختونه , وعزفت عن طلب الرجال , الى ان تقدم بها العمر , وصارت من القواعد .. لكنما , ما شبابها , كانه لم يغيض . اذ لا تزال نضرة , لم يغشاها غضن , ولم يخط عليها شيب .. وعندما حدثت مريم جدتها . تبسمت الجدة عن اسنانها الناصعة , المكتملة , ولم تنبث ببنت شفة ...)__ فى البدء رفضت خديجة الذهاب , ثم لانت . كان قوة خفية نهضت فجاة , لتدفعها دفعا .. وعندما خرجت من غرفة الجدة , كانت مريم قد اختفت من الصالة , حيث تركتها قبل ان تدخل على الجدة , التى مضت بها فى دروب ذلك العالم البرزخى , تدفعها دفعا لقطع وهاده وسباسبه , الى ان توقفت عند شجرة ( اللأ لوب) فى المنتهى .. فتركت خديجة تسير وحدها , كطيف سابح فى بحر من النور الكلى ..
لم تبحث خديجة عن مريم , وغادرت بيت الجدة فى عجلة , وهى تتعثر فى قطع الاثاث بطريقها . دون ان تشعر بها . الى ان لفحها تيار هواء بارد , فادركت انها بمنتصف الزقاق المفضى الى الشارع الرئيسى ..
كانت خديجة منذ طفولتها كغزالة نافرة , فعندما تبدأ الفتيات فى لعبة ( الحجلة او عريس وعروسة , الخ ..) تقصى نفسها ك ( وزينه ) على ضفاف بحيرة شاسعة . لا تريد التوغل .. تركهم يمرحون وحدهم . وتراقبهم وهى تنشد :
( الزارعينا فى كبد البوصة .. نى , نى .. مونجيض ,,
الطير كلى البرسوسة ...
الزارعينا فى كبد الغابة .. نى , نى .. مونجيض ,,
الطير كلى الورتابه .. )
وظلت هذه الانشودة , تعزية وحدتها . منذ ذلك الوقت . وكانت حين ترغب فى فصل نفسها عن العالم حولها , تتوغل متسحبه الى داخلها وتدخل فى حالة لا شعورية , وتبدأ فى ترديد انشودتها المحببة , بصوت عميق , ملؤه الاسى واللوعه . كأن طقسا بكامله , تؤديه جوقه من الرهبان .. الى ان يخترق صوت مريم كالمعتاد , فى كل مرة عالمها الطقسى :
( الناس عرسو .. انا فى النميم يا يابا ... )
هكذا تشرخ مريم عالمها فى كل مرة , فلا تملك سوى ان تنظر اليها بمحبة , وتمسح حبات العرق من وجهها , وتبتسم دون تعليق ..
سنوات غربتها تمضى بخطى وئيدة , كتسحب الشمس شيئا فشيئا , قبل ان تغيب . وطفل مريم الذى ارسلت لها صورته - فى السنة الاولى لولادته - يكبر . يصير صبيا , وسيما . تطل شقاوة امه من عينيه . تبتسم خديجة عند هذا الخاطر , وتدخل اخر الصور -التى ارسلتها لها مريم قبل شهر , للصبى الذى صار شابا اليف الملامح , صبوح الوجه - فى اطار مذهب حذاء التسريحة ..
فى غربتها المترفه تنفتح حياتها على بوح قديم , ظنت انها خلفته وراءها .. بوح يطل برأسه من رحم الماضى , بين آونه واخرى .. يخز رغباتها الغامضة : التى ليست لديها فكرة واضحة عنها , فقط محض رغبة فى التلظى والتشظى .. تخرج منها الى صلوات سرية طويلة , تختمها بتلك الانشودة التى تحبها , دون ان يخترق صوت مريم عالمها الطقوسى ويشرخه ...
تتفجر كوامن شجنها لوجه غامض , تعرفه ولا تعرفه . يجىء بملامحه المبهمة , من خلف ضباب المغيب , لحظة ما قبل الفجر الغامضة ...
يصبح كيانها كله مشدودا كوتر كمان , عميق الجرح والآهة , اسيان كندى فجر شاحب .. يخرج ابن مريم من الصورة , يعزف حتى تكل يداه من العزف المنفرد , فيتوقف عن العزف , وتخرج مريم , من سطور الخطاب .. تشد الوتر - وجدان خديجة - وتعزف نغما مألوفا , عن الشجن والترقب , فتهتف فيها بكل التحفز العميق : ( انه هو ) !.. فتتوقف عن العزف .. تستند على ساق النخل , كالمنهارة . تدخل فيه , تتلاشى !!.. وعبثا يطول انتظارها لخروج مريم .. كانت مريم قد احتضنت ابنها , وغابت فى سطور الخطاب ...
تعيد خديجة الصورة الى التسريحة , تلوكها الهواجس والظنون , فتحترق بنيران الاسئلة , الى ان يأخذها النوم , وتمضى بها الاحلام الى عالم مضىء .. تتلفت حولها لترى مصدر الضؤ , وعبثا تبحث .. فاضاته من اللا مكان : لا شرق . لا غرب , لا شمال او جنوب ..تتسلق حائطا اخضر . يبدو لها ناعما . وتسبح بعده فى نهر الخمر . تتشرب مسامها بالخدر . وتتسع رؤاها ورؤيتها . , فتدرك الضفة الاخرى منهكة , وهى بين الصحو والنوم , تحط على كتفها يمامة , وتقترب غزالة , لتجلس اليها فى حنو . تحكى لها عن الذى وجدته ملقى على شاطىء البحر , وحيدا , ينضح بالعذاب . فسقته من ثديها ( كان ينضح بالعذاب !) .. تؤكد , فتقول اليمامة : ( العذاب غسول الصالحين ) .. وتحلق , تحلق .. لتجد خديجة نفسها بين منزلتين ...
لطالما حلمت فى تلك النهارات البعيدة , بوجهه غجرى الملامح . يأخذها من قلب حلقة ( الذكر ) , ويمضى بها فى مسارات غائظة بالتوجس , مشحونه بالمغامرة , بين احتمال موت جدير بحياتيهما , وحياة لا تدركها تلك الهواجس , التى عانتها فى اسى والتياع , بانتظاره المضن !!!...
كطاقة بعث - كانت حياتها - تخرج من قلب دهاليز التاريخ وازقته وحواريه , فى مدنه المدفونه .
طاقة تتفجر هكذا , كبركان . تجتاح حممه كل شىء . لتدفعها دفعا لارتياد عوالم لا تدركها . فقط تحسها . وتكاد تتلمسها . باناملها التى ترى ما لا يرى !!!.. ..
حاولت ان تغلق قلبها دونه , لكنه ينفتح على شبح وجهه , غامض الملامح . وجهه المحزون . بخزلان حوارييه . وخيانة الصديق القريب .
وجهه المندفع من عالم سرمدى , بعيد , بعيد . لا تدركه الابصار . .. فتهتز خديجة كنخلة , فى مهب الريح , يحاصرها التساب .فى غمرة الادراك لوجودها غير المدرك ..وتمضى فى رحاب عالم تصله ولا تصله . واذ تصله لا تجده . وهو فيها . وهى فيه . يتماهيان . فلا يصبحان واحدا . بل صفرا . مركزا للواحد . . وواحدا على هامش الصفر .. ( تتوحد ) فيه , للتلاشى , معا . ولا يعود لهما وجود : ( صفر ) .. وخز شفيف وشقى , يجبرها على طرد هذا الخاطر , وخز يتكون كدمل . يتحفز للانفتاح على نافذة متربة . بتعاقب الفصول . ..
لثمة خفية تنزعها من مكانها , تتلفت حولها , وتستكين . خدر , بلسم يهدىء صبوتها .. عذابها الجرح .. فتترقب وجهه اكثر , وجهه الغامض يلوح من شفق المغيب , فجأة , كما صعد فجأة , تاركا صالبيه : حيارى , وهم مروعين مما شبه لهم , فى ذلك الفجر الذى ينذر بالمخاوف - .. يمضى بها , يعلق احلامها , ويعزف على الكمان , اغنية الانتظار - للتى طال انتظارها الجرح العذاب - لمخلصها من عذابات الوصول (العذاب .. العذاب , غسول الصالحين ..) .. تضج بانين الشجن , وتأوهاته , الم الغربه , القاحلة واحتراقاتها .. هذا الموت الذى يدنو منها , ليقودها الى ( الفناء ) , مبددا تصوراتها ..
ذاك الوجه الغامض , الذى يتبدى عن اوتار الكمان , وتلافيف الشجن عصى البوح .. يقلق وحدتها .. تتشظى به , فيمضى اكثر لوعه والتياع , ويمضى ولا يجىء .. يغيب فى سرمديته ...
وتحت وطء الانتظار تغوص , فى ارخبيل شائك . يدفعها الشوق . تعبره ملأى بالجروح المتقيحة , تتمدد تحت نبات( اليقطين ) .. تتشكل معهما ( هوية واحدة ) : - محض نور ...
اطل وجه العرافة المقعدة , كانت منتصبة . تتقدم تجاه خديجة ببطء , تعبر اليها من مكان بلا ملامح , حيث تقف فى الغياب .. تبدل وجه العرافة , حل محله وجه ابن مريم شابا فتيا , متلفعا ببردة الكتان , الناصعة ذاتها .. تقدم منها فاتحا ذراعيه .. لحظتها كانت احلامهما ( هى ومريم ) قد غلب عليها الغموض و الالق ..
كان قد اقترب منها .. استحالا الى لا شىء . تبددا فى الضؤ , الذى يغمر اسقف البيوت الواطئة , الشجر , اوكار الطيور , جحور القوارض , حظائر الحيوانات الاليفة , ووجوه المارة .. عابرى السبيل ...
تتلاشى ذكرياتها القديمة , لتتشكل اللاذكريات . يتلاشى الحنين الى الحنين . ذكريات الطفولة , شارع البيت , اشجار الحوش الكبير , قهوة منتصف النهار , الطريق الى محطة المواصلات وعاصمة بلادها الملبدة بالحذر .. حنينها لاسرتها , لعالمها ذاك .. الناس والاشياء .. يتلاشى كل شىء .. يتشكل فقط وجه الحبيب , فى بردته الكتان , الناصعه . يقترب شيئا فشيئا الى سطح عالم الحنين المنهار .. ليحل مركزا لوجودها وكيانها وحسها .. يلعبان اللعبة ذاتها : يكر فتفر . تفر فيكر .. ويدهمها ليلا ليخطف منامها , ويقطف وردة جرحها , ليغذى الحنين من بوح تلك اللحظات الغامضة , التى ربما عاشاها او لم يعيشاها معا او عاشتها خديجة لوحدها !.. فقط تشعر خديجة بمريم , تتقمصها , وابنها يحتضنها حتى تئن ضلوع خديجة . ويغلبها التمزق والارهاق , فتغرق فى النوم ...
احلامهما ( هى ومريم ) غلب عليها الغموض والتوجع , المستمد من اعماق غربتهما , ركاميهما , البلى الذى حاصرهما , وكل التخثر الذى حاولتا تمزيق اغشيته , للافلات من تبدد الزمن والمكان , والشروع فى الحلم ...
القاهرة ابريل 2004
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:18 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 07:53 PM   #9
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الفكي - النذير حسين إسماعيل

الفكي
النذير حسين إسماعيل





أحمد ود إبراهيم أحد أعلام القرية الشباب الذين تعلموا مؤخرا بعد تراجع نظرية القرية التي تدعو لعدم التعليم وذلك في العام 1881 بعد النظرية الشهيرة التي تقدم بها جده بأن التعليم يفسد روح الشباب ويوقهم في المعاصي والتهلكة ويساعدهم علي مناقشة آبائهم في الكبيرة والصغيرة,درس الفلسفة والاجتماع وشغل عدة مناصب بالإضافة إلى أنه في العام الماضي قاد ثورة تحرير الفتيات إلى التعليم لكن والعهدة علي الراوي أن هدف هذه الثورة كانت فاطمة الصفراء وذلك لفرط لونها الذي جليه أبوها لها من امرأة من قبيلة أخرى وطلقها طلقة بائنة بينونة كبري بعد أن ضبطها ساعة شؤم تضحك مع بائع اللبن,قام إبراهيم بإنشاء المدارس وفصول تعليم الكبار والصغار وتعلمت فاطمة كيف تكتب الرسائل الغرامية وبذلك تحقق هدف الثورة التعليمية لكن وفي الحقول المجاورة التي يزرع فيها الدخن شاهد أهل القرية أحمد يسير بجوارها فأتى الحاج الفكي ببندقيته الخرطوش في العصر والناس يتهافتون للعب الكوتشينة وشرب الخمر في القرية المجاورة التي أنشأها بعض الوافدين لتلبية احتياجات أهل القرية من الكحول العصير المشتق منها لسقاية بعض المبتدئين ، في هذا المجال,قام الحاج الفكي والد فاطمة بأخذها من يدها إلى الديوان(مكان يجتمع فيه الضيوف) و أرسل إلى أحمد بأن يأتي ومع وكيل الزوج وشاهدي عدل من الذين شهدوا قبل ذلك في زيجات لم تكن فاشلة, أتى أحمد والعرق يتصبب منه ودخل من باب الديوان الكبير وسلم عليهم جميعا...........

اجلس يا ولدي, ابتدر الفكي الحديث بكل احترام يا أحمد يا ولدي ,الناس كلامها (ما بقع ساكت وهسع لانكسرت الزجاجة ولا أندفق الذي فيها المأذون وصل والعقد هسع, يلا بسم الله نبتدئ ) ,,,,,,,,,,, و و أحمد جالس مطرقا عينيه ويردد معهم صيغة النكاح والنسوان واجمات في الحوش منتظرات ساعة الفكي يضرب الخرطوش الذي اعتادت القرية عليه في المناسبات و,,,,,,,,,,الحمد لله صافح الفكي أحمد العريس وقال,,أها يا حمد يا ولدي نقوم نكلم النسوان و,,,,,,ضرب الحاج الفكي الخرطوش وزغردت النسوة بالداخل و,,,صحا أحمد ود إبراهيم في شقته الواقعة جوار النيل بحي الخرطوم بحري وقال هو الآخر الحمد لله وتذكر مواعيده مع خطيبته خريجة كلية الآداب
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 07:55 PM   #10
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الهارب - بقلم حارث

الهارب
بقلم حارث




أخذ يقلب صفحات الجريدة … إنه لا يجد ما يبحث عنه … هذا أفضل له ، رغم أن ذلك سيزيده أرقا …

حظك لليوم.. باب جيد ، لا بأس من قراءته ، قيل أن مُنَّجم هذه الجريدة دقيق في توقعاته ..المنجم يتنبأ له بالموت ، يا ساتر … أعوذ بالله ، قالها وكررها مرارا … ثم قال في نفسه أنه لا بد أن لا يصدق مثل هذه التفاهات ، لا أحد يعلم ما يدس القدر للفرد من مفاجآت إلا خالقه .. وتذكر حينها أن من يصدق مثل هذه الخرافات لن تحسب له أربعين صلاه .. ثم تذكر بعدها أنه لا يصلي قط ، وأنه بعيد كل البعد عن خالقه ، وأنه لو لم يكن كذلك لما كان في هذا الحال من الذعر والقلق والارتباك ، ولما أخذ يقلب صفحات كل الجرائد المحلية صفحة صفحة ويبحث فيما إذا كانت الشرطة تبحث عنه.

إنهــا التاسعة صباحا ، ومازال في العمر بقية … يا ترى متى ستكون خاتمتي ؟ أخذ داوود يتساءل .. والله أعلم. الحيرة تغلبه ، والندم يقهـره ، والخوف يأسره.. مازال اليوم طويلا ، ماذا أفعل ، سأل داوود نفسه ثانية .. وقرر بعدها الخروج للتنزه ، لعل في ذلك الفرج لضيقه. وهمَّ باللبس ، وعندما أوشك على الخروج ، تراجع ، وقال في نفسه ماذا لو كانت الشرطة تتبعني ، وأن عدم نشر إعلان البحث عني في صفحات الجرائد ليـس إلا كمينا للإيقاع بي متلبسا .. ربما ، إن كيدهم لعظيم ، تماما ككيد نساء اليوم !. سأظل في هذا الفندق ليوم آخر .. قرر ذلك أخيرا ، رغم تأكده بأن الوحدة لن تزيده إلا إزعاجا لنفسه.

أين تلك الأوراق؟ .. سأل داوود نفسه ، بالطبع سأل نفسه ، ومن له من صديق و وأنيس غير نفسه ، إنه وحيد الآن وعاش حياته كلها هكذا ، لا أصدقاء له ، ولا أقارب يسألون عنه ، ولا زوجة ترعاه ، وتؤنس وحدته .. لقد اعتاد على هذا الحال.. لم يخطئ زملائه في الجامعة عندما لقبوه بـ وحيد أفندي. … هاهي الأوراق قال وحيد أفندي. تأملها وحدق فيها وأخد يراجع محتواها، رغم أنه حافظ لما بداخلها عن ظهر قلب.. وقال في نفسه إنها أوراق جهنم بالفعل. وأكمل حديثه لصديقه "نفسه" وقال:

- ماذا أفعل بك أيتها الأوراق ؟؟ إنك تسوين الكثير لدى الشرطة .. وكيف لا وأنت من سيريني أين تقع بلاد الواق واق .. سترسلينني إلا مكان يجهله كل الناس ..

-قالت نفسه: ماذا إذا حُكم عليك بالإعدام ؟ ألن يكون ذلك أخف عليك من رؤية نجوم النهار ؟

- همم … بالفعل سيكون .. ولكن نفسي عليّ عزيزة !

- لن ينفعك في مثل هذه الظروف لا عليا ولا عزيزة !! وما يخاف من الموت إلا ضعاف الإيمان ، أتذكر عندما سمعنا هذه المعلومة في التلفاز من خطيب صلاة الجمعة؟

-ما الحل إذا ؟؟ سأنام لعلي أتخلص من هذه الوساوس.

غمض جفنه .. ولكن عقله لم يغمض ، ولن يغفو … أفكار غريبة بدأت تراوده ، ولكنها ليست مجنونة ، استيقظ فجأة من منامه ، كانت مازالت الساعة الحادية عشرة .. قال:

- سأسلم نفسي للشرطة ، وليحدث ما يحدث .. سأرتاح على الأقل من هذا الجو المقلق بعد أن أعرف مصيري .. ولن يفيدني هذا الهرب شيئا .. إني نادم نادم نادم … اغفر لي يا رب ، أتوب إليك .. سامحني أرجوك.

انتقل إلى الخزانة ، ولبس أفخم ما عنده من ملابس ، وتعطر ، إنه ذاهب للشرطة ، لكي يسلم نفسه بكل شجاعة ، وعن كامل اقتناع.

هاهو مركز الشرطة على الناحية الأخرى من الشارع ، وهاهي الأوراق الداهية بين دفتي يديه يمسكها داوود بكل قوة. سيعبر الشارع الآن … ما هذا؟ .. من هذا المجنون المسرع بسيارته هكذا ، لا لا لا ياله من منظر بشع ، لقد صَدَمَ داوودا … لطفك يا لطيف … لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم … الدماء تتطاير .. ما ذلك الشيء المفصول عن جسمه؟؟ أتلك يده ؟؟ أظنها كذلك .. لا لا إنها أطول من يد ، لابد أنها رجله .. لا أستطيع إكمال الرؤية .. إنه منظر لا يوصف .. الناس يتزاحمون حول داوود من كل مكان .. الازدحام يزداد .. طفل يبكي بأعلى صوت ، الحق معه … إنه لمنظر في غاية البشاعة … سترك يا قدير ، الناس يقولون أن ذلك الرجل قد فارق الحياة … إنا لله وإنا إليه راجعون .. لقد مات وحيد أفندي … مات مات مات … لكنها ميتة بشعة ، لعل ذلك عذابه الدنيوي فيما فعله .. ولكن ألن يغفر له ربه ؟؟ لقد تاب .. وأدرك خطأه ، وخير الخطاءين التوابون ..

راحت مجموعة الكومبارس المتجمعة حول وحيد أفندي يرفعونه عاليا .. وفتح وحيد أفندي أو الممثل وليد عمر عينيه ، والجمهور يصفق بحرارة عالية .. إنه بالفعل ممثل مبدع ، ويستحق هذا التصفيق الحار .. لقد كانت بالفعل خاتمة رائعة لعمل فني جديد من نوعه يجمع بين السينما و
المسرح!!.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 08:00 PM   #11
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
ضفيرتها رائحة الوطن - أسامة الطيب

ضفيرتها رائحة الوطن
أسامة الطيب



كلما زاد أزيز الطائرة التي تعودت أن تمر من فوقه عند الفجر ، كان (طارق عبد المجيد) يزداد تكوُّما في لحافه الأخضر الداكن المتسخ بلون الهزائم كلها ، كان خشنا ومحشوا بليف جريد النخل يحدث طرقعة غريبة عند الجلوس عليه مرَّ عليه الكثير من المساجين ، ناموا عليه و طاردتهم الكوابيس فوقه ، تصدعت رؤوسهم عليه ، سالت خيوط (التمباك) على أطرافه تطبعه بعطن الكيف البالي وتطبع الزنزانة برائحة الفقد ، تركوا بين طياته عالماً ميتاً حين قسوة ليالي البرد ووحشة البعد عن عيون الحيشان الواسعة والملاءات التي تعرف كيف تستفز النسيم ، ومضوا بعد أن حمَّلوه بآمال مثقلة بحدود القضبان وأمانٍ يائسة تحت الرتاج العظيم ، ذهبوا على أحسن حالٍ لسجن المدينة ذي الرتاج الأعظم .. بالوا على جدران احتمالاتهم .. ما عاد الموت يعنيهم .. ما عادوا يعنون الحياة.

كانت زنازين الشرقيات ، هكذا يسمونها ، ترتج كلها مع أزيز طائرة الفجر .. لكن لطارق خوفه الخاص وهو يتلملم من أطراف جلبابه الناصع الصفرة رغماً عن بياضه السابق ، ليذوب في هاجس الأيام ، هيكل الزنازين يكاد ينقض عليه وهو يرقد تحت شجرة السدر الباهتة ، ما أقسى سجون الإنسان طالت أحلام هذه الشجيرة الصحراوية فأسلمت شوكها اللديح لمسكنةٍ قاتلة ، تطالعه الأسماء والذكريات من كل الجدران ، بعض أبيات علّمت ساحة السجن الصغيرة معنى النضال وهي مازالت تمدُّ لسانها صوبها ، والحمامات تضع يدها على أنفها وتؤثر نازليها بفائض ال************ ، تبدأ من حيث تنتهي الأرجل وتنتهي قبل أن تصل لعظمة الكتف ، الذي ما زال يحتفظ ببعض خيوط إنسانه الأول يدخلها ليلاً والآخرون يكملون أحاديثهم من داخلها.

السماء صافية ، السجن لا يحسن لغة أهل الأرصاد هذه كان غاصاً في غيومه الخاصة و (آدم) … ذلك الفتى الجنوبي الذي قضى ثلثي عمره خلف القضبان ، يدور في أنحاء السجن الكبير طليقاً لا يحنُّ لسجن المدينة الكبير ، كان يدخل صباحاً كعامل نظافة ، لم تكن بدلته الكاكية المهترئة ورداءه ذو الألف لون وخيط ورقعة يتفقان مع جهده في نظافة الزنازين ، فمه مملوءٌ بتبغٍ سبق وأن نفدت قدرته على الكيف ولكنه لم يفقد لونه الأسود بعد ، يغني بصوتٍ أجش أغانٍ ميتة المطالع والنهايات ، دخل بئر المرحاض يوماً وحين احتجاجٍ على قرار عفوٍ يخرجه للسجن الكبير - زينت به الحكومة جيدها لمصوري الإعلام - خرج منها بقميصٍ من اللون والرائحة اللتان تغرقان الكون في العفونة وطعمٍ من تدحرج الوطن من أعلى جبال اليأس إلى قاع الهزيمة .. كانت الهزيمة تلاوح من نوافذ الزنازين الصغيرة التي ترتجف تحت ثقل الحديد المتقاطع عندها ، لا يذكر جريمته التي دخل بها أول مرة ولكنه يذكر جيداً أنه كان يفتعل الجرائم التي تعيده ، ما عاد يحتمل المدينة التي أصبحت لا تحتمل الجميع ، لم يخض أي معترك سياسي ، لم يشترك في أي مظاهرة ، لم يحرق إطارات السيارات ولم يردد هتافاتٍ مغلوطة ، لم يطاله تعسف الروتين الحارق ولا تبدلت مقامات أغانيه وهمهمات فراغه الطويل ، يدخل في يده مكنسة وسطل وأغنياتٍ ميتة ، حول عنقه خيط أقدم من شهادته حول شمس المدينة باهرة الضوء عليه آثار خنجر صغير ذو حافة سوداء حادة ، كان كثيراً ما يداعبه وهو يغني ، لا يعرف من أيام السجن المكرورة سوى عبارات اعتاد سماعها عن ذكريات بلا رتاجات ، كان يتوق لإنهاء دورة نظافته – المتسخة - ليجالس (طارق) على لحافه الخشن ، ظلَّ يتعلم منه بعض كلمات أجنبية يحيّ بها كبار المعتقلين السياسيين و ينطقها بصورةٍ جديدة تماماً عليها ، تعلّم (طارق) منه الالتفات للوطن المخبوء تحت قناعاته ، وحده الوطن الذي لا يُسجن ، دائماً يحلِّق بالمخيِّلات والقلوب ، حين يخرج (آدم) يخرج معه جيش الذباب وهدير المكان وبقايا الحياة .. تبقى فقط قطيعة الظهيرة.

جاء (طارق) ظهر ذلك اليوم جثةً باردة وتكوّم في أطراف جلبابه ناصع الصفرة بلا أزيز طائرة ، اجتهد رفقاؤه في أعادته للحياة ، حياة الزنزانة الميتة ، بدأ أحدهم يقرأ خبراً من صحيفةٍ باردة عن خلو المعتقلات من أي معتقل ، تقتلهم السخرية ، ليتها تقتلهم ، تحييهم ولكن على طريقتها الخاصة ، لم تعده أصوات الملعقة في أكواب الشاي لحياته الميتة ولم تتركه في موته الحي ، تحرّك قليلاً وهو يعصب رأسه بمنديله ، جرّ رجليه وأسلم رأسه للجدار وفي حلق آدم نكتة تصارع للخروج لكنه ظل ساكناً سكوناً لم يعهده السجن ، زحزح (طارق) جبلاً عن عينيه

- آخر ما صورته خيالاتهم المريضة جاءوا (بزينب) كي يعذبوها أمامي ؟ أنا مقيدٌ في ركن الغرفة ضربوها بالسياط على رأسها ، كل جسدها ، كانت تصرخ ، وأنا أمامها لا أملك إلا أن أحبس دموعي ودمي من الانفجار ، أغمى عليها ، حملوها للخارج وعادوا لضربي ، أنا الآن أعود للحياة بضربهم لو يعلمون ..

شغلوا أنفسهم عنه برشفات فاترة من الشاي ناقص الرائحة والطعم .. المعطون بتفل الفجيعة وحدها.

- لو أنها ماتت أمامي ..

- لو أنها أحيتني بموتها ..

- لو أنها أغرقتني بماء روحها ونضبت حتى لا يبقى لهم ما يراهنون عليه .. الكلاب

سحب آدم رجليه ومكنسته وأغنياته الميتة وخرج ، كان (طارق) يتبعه بعينيه وكأنه يتابع فيه قصة عالمٍ خارج عن مداره ، تكوَّم الصمت في مكانه بالزنزانة رقم عشرة حيث يرقد (ألولة) - المنهك من رعافه المتكرر - على ظهره يحدق في لفافة الشاش الباردة على جبهته ويترك الدموع تنزل كيف شاءت ، كانت سنوات اعتقاله التي فاقت العشر أرهفت قلبه أكثر مما يجب ومنحته صلابةً جديدة ، العمر الذي يجمع المتناقضات هو العمر الذي جمع الحياة من أطرافها.

- لو أنها أحيته بموتها..

لو أنها نزفت دمها نقطةً نقطة في شرايينه التي أيبسها ابتزاز الكلاب ، كان الوطن المخبوء في قناعاته يترعها بفيوضه.

بعد أن أخذ أزيز الطائرة في الابتعاد وتلملم على أطراف الزنازين صبحٌ جديد ، بظلاماتٍ قديمة ، فتح (طارق) عينيه مشرقاً ومضيئاً بوضاءةٍ غريبة ، كانت زينب وهي تصرخ تذكره بأمسياتها معه تحت شجرة الجميز العتيقة في حوش جده وهي تعطن رأسه بالزيت وتمسحه بيديها حتى ليكاد ينام بين ابتساماتها ، كانت زينب وهي في كامل إغمائها تحدثه عن يومها الذي سمعت فيه خبر تخرُّجه دخلت الحمام وهي تغني لحناً معقداً ، خرجت وهي أسهل من نسيم وكوت منديله الرمادي الذي غزلته له ، حشرته بين كتابين اشترتهما له وخرجت .. مسك يديها طويلاً وهي تقرأ له العناوين .. قام من لحافه الذي تمطى ألوان أخرى من النعومة ، نحت اسمه واسمها على جدار زنزانته .. (آدم) وعلى سنوات إقامته الطويلة بالسجن لم يعبأ أبداً بكتابة اسمه على جداره الصلد .. لكنه كان في ذلك اليوم يدندن بطفولةٍ فائقة وهو يسنُّ لطارق أدوات النحت .. ترقد تحت رجليه المهملتين أغنياته الميتة.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 08:05 PM   #12
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الكلب بوبي - احمد الملك

الكلب بوبي
احمد الملك




امس مساء عدت الي المزرعة بعد ليلة مبهجة وحافلة قضيتها مع أصدقاء قدامي، كانت ليلة رائعة رغم انها انتهت كالعادة بالعراك اثر الافراط في الشراب، قضيت وقتا طويلا في العودة ذلك أنني في البداية لم أهتد الي مكان المزرعة وحينما وصلت كنت أشعر بأنني علي ما يرام رغم أنه كان من السابق لاوانه (قبل انبلاج الصباح) أن أقرر ما إذا كنت أحتفظ بجميع أعضائي البشرية ام لا .

كان المصباح الذي تركته في البهو يضئ المكان إضاءة خافتة ومحزنة حينما خاطبني الكلب بوبي قائلا : ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم ؟

كان يضع ساقا فوق ساق وهو غارق في احد المقاعد، وأدركت من رنة اهتمامه المحزون أنه كان مخمورا فقصدت حجرتي حيث احتفظ بمخزون اضافي من الشراب وكان علي ان أتوقع ذلك : لقد وجدت إحدى الزجاجات مكسورة، حينما عدت مرة اخري الي البهو، كان الكلب لا يزال يجلس محزونا وكرر قوله مرة اخري: ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم ؟ وأتبع كلمة تزال بعواء خفيف أعطي انطباعا بان الحقيقة كانت تتسرب من شفتيه، كان حديثه محزنا، ففي الماضي كان يمكن توقع مثل هذا الهراء الجميل من النساء مثلا، لكن الزمان تغير والمرء يجب ان يتوقع أن يسمع أي شئ من أي كان .

في البداية لم أصب بالذهول فقد لاحظت منذ فترة ان الكلب كان يبدي اهتماما بالاشياء من حوله، كان يحدق باشمئزاز في قطع الاثاث، كما أن نظرات الاحتجاج لم تخمد أبدا في عينيه كلما نظر الي ملابسي .

- ألا تزال تصر علي السهر خارجا ؟

كان يتحدث بصوت واضح وحنان منطقي مذهل، ثم عدل وضع ساقه قبل ان يقول :

ألا تري هاهو اخر جلباب لك يعود ممزقا كما ان اذنك اليمني أصبحت أصغر قليلا من اليسري، ألا تلاحظ انك عائد من دون حذاء؟ أعاد لي حديثه شيئا من الاعتداد بالاخطاء فأصلحت وضع جلبابي وجلست خجلا علي أحد المقاعد ثم قلت مترددا مثل طفل يعترف للمرة الاولي : لم تقل لي قبلا انك تجيد التخاطب .

- وما الفائدة في ذلك؟ لقد كنت اراقبك في صمت، علي المرء ان يتوخي الحذر احيانا لكن هذا ليس مهما، قل لي اولا، ألا تزال تصر علي السهر خارجا كل يوم؟ قلت بحذر : وماذا علي ان افعل في المقابل؟

تبقي في البيت، تقرأ تنظف المكان،تغسل ملابسك، تعتني بشجيرات الورد، ثم أصدر عواء فظيعا ومحزنا قبل ان يقرر : تتزوج!

ألا تعتقد أنك تجاوزت قليلا حدود المزاح، لقد كان حديثه سيئا لكني شعرت بارتياح لفكرة أن الامر كله كان مزاحا ثقيلا حتي أنني تأهبت لخلع ملابسي متجاهلا شعورا خفيا أوحي لي بانطباع غريب بأنني اتواطأ مع الكلب في أمر شنيع وعندما سقط الجلباب أرضا سمعته يقول بإشمئزاز طيب :

هذه ليست طريقة للعيش الكريم .

إنني أكره هذه العبارة، لقد استفز مخزوني من الذكريات، ذلك الذي أحرص علي إيداعه النسيان، فحينما يكون المرء متزوجا يكون مضطرا الي سماع مثل هذا الكلام ربما لمجرد المزاح او قتل الوقت. قلت محاولا تجاهل دقة الموقف : ماذا تعني؟

ثمة وميض حكيم في عينيه من ارتياح محزون قبل أن يقول ألا تستطيع ان تفهم، مثل التلاميذ الاغبياء علي أن أكرر كل شئ، لقد بقيت أراقبك طوال شهر وعندما تيقنت أنك تنحدر سريعا اضطررت الي اقناع نفسي بمصارحتك، هل لك أن تخبرني لماذا تشرب ؟

إنني أشرب لأنسي !

- لتنسي ماذا؟ لأنسي ..، وعلي كل قلت مزهوا، فأنت نفسك الان مخمور كما أنك – وهذا أسوأ – لم تدفع قرشا لقد سرقت ما شربت، وارتحت لهذه الفكرة الخطرة، إنك لص، لكنه قال دون ان يبدو عليه أنه شعر بالعار : أنا لا اجيد التعامل مع البشر، وعلي كل فأنا لا أشرب لأنسي، عندما كنت أعيش في الغابة كنت أشرب لمجرد الشعور بالمتعة، أما اليوم فقد شربت لأنني أعلم أن المرء لا يستطيع مخاطبة البشر وهو في حالة وعي تام .

قلت مستعيرا لهجة تهديدية مفيدة : أخشي ان اضطر يوما لطردك من البيت !

فقال دون أدني انفعال : لن يكون الشارع أسوأ من هنا ألم تسمع قصة ذلك القاضي الذي قام بعمل ضمان لمسجون واخرجه من السجن ليبقي في خدمته بالمنزل، فرح المسجون في البداية بهذه الحرية المشروطة ثم اكتشف أن الملل يخيم علي الحياة في بيت القاضي الذي يقضي سحابة يومه في الشراب والنوم واكتشف شيئا مدمرا اخرا : الجوع فلم يكن القاضي يكترث باحضار أي طعام الي البيت وكان يأكل اذا وجد شيئا أمامه والا فأنه لا يكترث لذلك كثيرا، تضور السجين جوعا ومللا وبعد أيام فاجأ القاضي بطلبه المذهل :

أنا أريد العودة للسجن يا مولانا !

- ألا تري أنك تنفق وقتك في الكلام بدلا من حراسة البيت من اللصوص ؟

لصوص .. قالها متهكما ثم انفجر ضاحكا حتي استلقي ارضا – هكذا – ثم أردف بعيون دامعة من فرط الضحك: ومن يستطيع أن يميز في هذا البيت بين اللص، وبين صاحب البيت وجامع القمامة ؟!

كان الموقف دقيقا للغاية، نعم فقد كان يسخر مني، والواقع أنني كنت واثقا أن موقفي كان ضعيفا، فقد كنت أدخل المناقشة دون حذاء وأذني اليمني أصغر قليلا من اليسري، لذلك آثرت أن أنسحب، وعندما استلقيت في فراشي محاولا تحييد شعور خارق بالهزيمة، كان بإمكاني الاستماع الي ضحكاته المجلجلة التي كانت لا تزال تنطلق من البهو .

التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 08:17 PM   #13
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
زيس - عماد البليك

الأشجار الأربعة ذات أغصان شوكية، ترتعش بحياء آخر الشتاء تحت مطر ملون تسبح فيه فراشات قادرة على سرقة رحيق الزهر قبل فطام الربيع. يأتي الربيع في خفة، كأنه بدء جنون قلق، يلبس زيس في جلوسه عند عتبة الشارع، مراقبا الناقة تنحدر من منعطف الرمل. وحدته علمته الصداع الغيهبي. تنتابه الآلام حذرة. تنمو في أوردة تعبر دربها إلى القلب بعد رحلة طويلة في الجسد المنهك
مثل ملائكة صغيرة معبأة برائحة الدعاش ينزل المطر، تحته حدأة تنتظر خروج الدجاج المكوّر في شوقه للموت. أشياء كثيرة تحن للنهاية والعذاب قبل أن يدلق الوريد الدم في القلب. يرتجف زيس من برد الشتاء وجسده يسخن. يفكر في ألم حاد بأطراف عصي ذات نهايات مرنة تدق على الجسد العاري في الشارع حتى لا يتوجع ببكاء الناقة. ذكرته الناقة بطفولته المنهكة أو الرعب، لم يتعبأ ليلتذاك بالضوء، ينتعش مع الوحدة والوحشة الرقيقة. الآن تقترب الناقة من المنعطف تحت الماء السماوي في مرايا الذهن، يظنها ترقص في حنينها للموت
الناقة تبكي عائمة في نثار المطر. حسبه زيس نثار الملائكة الصغيرة، رآها في الحلم تقوده إلى المنعطف، يشاهد في ليل صافي السماء مولد الولد البكر للناقة مع لمعة عيناه الصغيرتان جدا. في ميلاده المبكر مع الفجر تخيل أن الناقة لن تعيش طويلا، وأن المدينة التي يحلم بالهروب إليها ستموت، الخريف سيطول هذا العام، وسيتأخر الربيع. انكسرت أفكاره برائحة البن المدوخ تخرج من نافذة الغرفة الحجرية. نهض خجلا من وحشته، لم ينظر إلى السماء، كان الدم في الأوردة يتشيطن ويرسم هالة حالة موجعة
لم يلق للماء القادم من أعلى بالا فقد تدغدغت أباريق حياته بالوحشة، تأتيه على مرمى من وجع خفي يلامس بقايا أحلامه القديمة. يبدو الذهن مع الأحلام متعبا صغيرا، يحمله كحقيبة الصيد ويخرج إلى الشارع من الكهف.
منذ أن خرج زيس من مغارة أمه متوحشا كأنه يعيش في الغابة أو كعجوز لم يفقه رموز الحلم الكبيرة في الدنيا مضت السنوات، نسي الناقة وموتها القاسي على القلب، نسي المطر، كم تأخر الربيع في ذاك العام. الكهف الذي خرج منه دفن في الرمس البعيد وراء الجبل. منعطف الرمل لم يعد للنوق، ولد عنده سوق مزدحم بالزبائن من أصحاب الحجج الكثيفة. الذي ظل في حاله شجر ينتهي بالأغصان الحادة، في الواقع لم تتبق غير أشجار أربعة تنتظر موتها
القلب والشارع في عرف زيس متشابهان، ولو أن القلب جميل. في رحلته القادمة إلى جنوب مصر مع قوافل التجار، سيغير عاداته وسيفهم أن القلب والشارع يتشابهان من جديد. الرحلة الأولى ميلاد عسير والثانية فيها يصرخ بشير، يخرج من مغارة أمه إلى الصحراء في فجر شتوي قاسي لا يشبه شتاء الناقة في معاناتها مع النهاية. تألم زيس من مسغبة الفراق يدقه في نفس مثقلة بالهموم الكسولة. ودعته رابحة في سوق الهجانة، رأي وجهها منعطفا جديدا للرمال ونثار ملائكة أكبر حجما من ملائكة طفولته في حلمه الميت. لم يكن الوداع معتادا، اكتنز باطنه بالأسرار العظيمة للنهر والصحراء. ظل زيس يتابع خطوط الرمل المتعرجة مع قافلة التجار، يراجع مشهد الوداع في دفتر السماء الغائمة، غاب عنه السر، وبعد عودته، بعد ثلاثة أشهر رأي بشير يشب بعظام قوية كعظام الجمال. لم يتوقع ذلك وخشى موت رابحة في الليل، تماما كما ماتت الناقة
إذا ولد الطفل في الشتاء لا يكبر بسرعة. العادة تتغير عند الدعاء أو مع قوافل العتامير الصاعدة والهابطة، حتى الحمى تنكسر لتكون بردا لا يقاوم. عند الباب القصير رمى زيس بالغطاء الثقيل. دخل الغرفة متطاولا على الفصول، حمل بشير، خرج به إلى الساحة تلعقه ذكريات الناقة. قد يبدو التصرف غبيا فالبعوض احتشد مبكرا عند الخور تحت السوق. زيس يعرف أن دعائه مستجاب ولا يخاف، هذا الكائن المتوحش لا يخاف. الغابة القديمة التي خرج منها غابت أشجارها، لم يعد يرى جسدا هزيلا يمشي به بشير، فللولد حظه المختلف، وهذا ما لم يفهم للقبيلة
وداع رابحة لا يوصف في خاصية إدراكها لمقدم الولد البكر بعد يومين من خروج القافلة التجارية. تدرك أكثر من ذلك أنه سيشب سريعا، لم تخبر زيس بالأسرار، ولم يستغرب منها التستر. استغرب زيس فرحها الطويل لا كما شاهد في الرحلة الأولى للسافل. أين ذهب حزنها المعتصر وخوفها من المجهول؟. تعودها على الوحدة مثله في أيام منعطف الرمل كأنه مات مع الرحلة الجديدة، لذا سأل نفسه بغباء ولم يعرف السبب في الفرح والضحك. هل كانت تسمي المتوحد ميتا على شاكلة الفلاسفة المقهورين في عجزهم عن فهم المغزى؟، رؤيتها للإنسان يفقد معناه في غياب الآخر لم تعد هدفا ولا معنى. هن النساء يتغيرن بعد العرس. شك في أمرها، ضرب بقوة على الجمل البارك، صعد على سنامه وأنطلق يحاول النسيان
أدرك الصعيد المصري من ناحية الصحراء وأدرك دروب الرزق الجبارة الملعونة، ماذا كان سيفعل غير الرضاء حتى لو خاصمت رابحة الحنين. "هذا رزقنا من الله " نطقها في حذر شديد، لم يقلقه شك، تذكر أن لا أحد يعيش في الدنيا جالسا في بيته كرهت رابحة الوحدة أم ألفتها. إذا كان الرزق يأتي من السماء كنثار المطر فالحدأة حلال عليها أكل الدجاج المكوّر. أما أن تموت الناقة باكية فهذا مجهول الحكمة. اختصر السؤال بأن الله لا يوزع الرزق هباء
رابحة ليست امرأة غريبة، زواجها منك حكمة غائبة. يبرك الجمل في دراو فيرقص قلب زيس، فكر في مغزى الرقص : هل هو رزق كبير قادم؟. في الليل نام فأدرك في الحلم أن حياته المرة لبست حلاوتها من اقترانه برابحة. في مغبة الظلام رأي ابتسامتها الهادئة تحت ضوء الفانوس، صلاتها في الثلث الأخير من الليل، دعائها، الولد البكر البشير المقذوف من مغارة غابتها، لماذا تأخر خروجه عشرين عاما؟.
اقترنا، زيس في العاشرة لم يتخلص من مراقبة الناقة عند المنعطف، ولا حصار الصداع الغيهبي، وأوردته تدخ الدم في القلب الصغير. لم يبلغ الحلم، ولا تبلغ بنت في السابعة الحلم. جاءها الطمث قبل أن يصبح رجلا بمني دافق فصبرت عليه أربع سنوات أصبح فيها رجلا. في أول معاشرة بعد الحلم عاشر الألفة والمودة، أحس في أول ليلة بانكسار ضوء الفانوس حياء، رأي الناقة تموت، قام من اللحاف يبكي. في دراو برك الجمل، فعرف زيس أن الليلة الأولى لم تشهد مضاجعة لامرأة ولا لجسد آخر. في خطوط الرمال رأي نفسه كمن يضاجع نفسه دون أن يمس قضيبه أو يحشره في مؤخرته. ذاب في ذاته، ورحل في السماوات العلية، ليعود للأرض طاهرا بريئا من ذنوب العالمين، قام من اللحاف يعطس، يشعر بتخلصه أخيرا من خندق الوحشية.
في العادة يرهق الزواج بعادات القبيلة. تزوج زيس رابحة برهق في مدينة وليدة على ضفاف النهر وأطراف الرمل. زواج البنت من قريبها فرض لا يغالط، ونجاحه صعب، لا أحد يخرج عن العادة أو يصرخ في السوق بضيقه. كانت البيوت خزانات الأسرار العميقة. الاختلاف قائم بين النساء والرجال. ينتهي الخلاف بالصلح في الظلام قبل احتدام المعركة لتجري الحياة في روزنامتها، يتعود الناس عليها، هكذا ألفت منذ مئات السنين اللاضوئية
عشرين عاما ظل زيس يحلم بالولد البكر. رابحة تغلف حلمها باليقظة في منتصف الليل قبل الصلاة، تعد النجوم المتبقية في السماء. يبدأ زيس العد قبلها وينتهي بعدها. أحيانا تبدأ من حيث انتهى. ظل البيت سرا لا يعرف أحد سره، أحاديثه تموت وتدفن في غرفة صغيرة، مثل قلب لا يشبه الشارع، قلب لنفس واحدة يحفظ أسراره، انشطر في يوم الرحلة الثانية في السوق. في دراو فكر زيس عن عادة حفظ السر من أين اكتسبها، هل ورثها أم علمته رابحة تقاليدها؟!. لم يفكر عميقا وبدا له أن آبائه لم يتوارثون حفظ الأسرار. تخرج أسرار البيوت في جهرة النهار تدخل عند منعطف الرمل الميت. يتحدث أهل الهجانة في السوق عن علاقاتهم مع النساء والنساء لا يقصّرن في حكاياتهن في البيوت قبل عودة الرجال. كم يتألم زيس لفجاجة الحياة، يكاد يبكي فيتذكر أنه بشر وليس ناقة. بشر نما وسط مدينة تنمو بلا تاريخ. ماذا سيسمع الإنسان إذا كانت الدنيا لا تحتمل الجديد؟
دخل الهجانة آخر الليل مع القافلة عائدا من صعيد مصر بالبضائع. يشتم رائحة السر الذي انكسر عند عتبة الباب يسابق حبات الفول السوداني الذي باعه في الصعيد. لو باع أحجارا كريمة مخبأة بالغرفة لربح أكثر لكن رابحة رفضت، وقالت:هذا ميراث الولد. لم يستطع إقناعها: الولد لو جاء يأتي برزقه. طرق الباب المصنوع من شجرة خامسة اقتصت قبل موت الأشجار. فتحت رابحة الغصن، ضمته في حنين، ضحك ولم يحدثها بشكه الكبير، حدث روحه: ها قد عاد الحنين
أضاء وجه رابحة في بقايا نور القمر البعيد. عيونها ارتجفت هنيهات ثم أمطرتا نرجسا. في مقدمه من الرحلة الثانية شعر زيس بميلاده الثاني. ميلاد يخرج فيه من مغارة نفسه الظالمة التي شكت في إخلاص الحبيب بعد عشرين عاما من اليقين. بكى يقبل رابحة إلى أن عاد إليه قلبه القديم يشعر بأن ميلاده لا يخصه وحده. في ذاك الليل ولد زيس ورابحة من جديد، كأن العالم خلق لأجلهما ليفرحا بالولد البكر.
جلس على حافة السرير رأى الملائكة الصغيرة تحف بشير نائما كملك وديع. لا يتململ الولد في نومته العميقة. يبتسم لزيس نائما. فتح فمه وأغلقه في لمحة عين خطافة. اكتشف زيس أن فرح الفقراء مثله يغمر الكون بالمحبة أن وجد وأن الإحساس بالأمان لا يخلقه إلأ الشعور بالظل. الظل الذي يكون مجسما، له روح وجسد يتحديان فوضى العالم وتقلبات الأزمنة ومرارتها. " هو بشير " كلم رابحة وكلم نفسه بصوت عالي، أومأت برأسها ففهم أن الولد سُمي بشيرا في غيابه. كان متأكدا مما حدث فالعهد الذي قطعاه على الأنفس قبل ربع قرن لا ينصرم بعفوية. كانا يلعبان وقتذاك جوار النهر في موسم المطر. رابحة تصنع طفلا من الطين، تضعه تحت الشمس ليجف، تحرقه بالنار، يصير ولدا من الفخار، يدهنه زيس بالألوان الغريبة المضيئة. يحملان الولد الفخاري يسابقان به الزمن إلى البيوت القائمة اسفل المدينة الوليدة. يهتفان بصوت واحد:جاء بشير.
عشرين عاما لم يفقدا الأمل، لو مات الأمل مات الإنسان. حلم الطفولة يصير معجزة الحاضر يرسمان به سعادة الوجود ولذته المفقودة في زمن مضى. لا يوقن زيس بالقول السائد أن السعادة هي المال، وبعد بشير زاد يقينه، حشد قلبه بدم الأوردة التي قالت له في الصباح أنت عشت بحب غريب يجتذبك للغد، أحسست بأن شعاع الشمس الصحراوية لا يمنح دفء الحياة فحسب، بل يبعث الناقة من مرقدها، ويحقق خفة الربيع
في الفجر لبت رابحة طلب زيس، جهزت البخور خلسة. العيون الحمراء ترمي السرج من على ظهر النوق، وفي ذهن زيس عيون أهل الهجانة تقلب مجن الكون. قالت رابحة "ما شاء الله عليه"، كانت قد قرأت أفكار زيس. دخلت المظلة المعروشة بالقش، عادت بالبخور. قرأ زيس سورة الإخلاص والمعوذتين وأختتم بسورة مريم المتعلق بها في حله وترحاله. رأي الشيخ سرور في الخلوة يعلمه يلقنه سورة مريم. "أنت لم تخلق لهذا الزمان.. لكن المقادير لا تخطيء.. فإذا شعرت بالضيق فأقرأ سورة مريم". يسمع كلمات سرور تدخها الأوردة في القلب. مع مريم الطاهرة العذراء يكون زيس طاهرا، وينجو بشير من العين الحاسدة. مات الفجر فكان قلب بشير أنظف من الماء
استيقظت الناقة في قلب زيس كأنها لم تدخل غابة الموت من قبل. ولد الصباح في الهجانة يحرك أنامله في الجسد الصغير، هل كانت هذه الأنامل في جسد زيس؟. الملامح تقول لزيس:الولد يشبه أمه.والقلب يقول لرابحة:روح الولد تشبه روح أبيه. وفي اعتقاد القبيلة البكر إذا ما جاء ولدا يشابه أبيه شكلا وأمه روحا. "إذا ما اختلفنا فهذا نذير شؤم" خاف زيس من كلام القلب، لم يخبر به رابحة. وخافت رابحة ولم تخبر زيس، وفي الليل صلت فرأت أن معتقد القبيلة باطل، بشير سيصنع حلمه وحياته
فرغت رابحة من الصلاة بعد استيقاظ بشير باكيا. أسرعت بالبخور. نام الولد سريعا. لملمت أطراف اللحاف ورتبته. استيقظ الولد ثانية في ثالث يوم لعودة زيس قبل أن تسأله رابحة كم ربحت هذه المرة في الرحلة؟. لم يكن السؤال يرد على ذهنها أبدا. الآن جاء وريث المال. إذا كان المال فتنة فالولد فتنة، لكن الفتنة بالفتنة تقاوم. أعادت باقي البخور للمظلة المعروشة ونست التفكير في المال. خلعت ثوبها عند النهدين ترضع بشير في يقظته الثالثة
[/right][/color]
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:18 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 08:19 PM   #14
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
هذا الصباح - أمينة

هذا الصباح
أمينة


أيقظني صوت حركتها في غرفتي ....... فتحت عيني فبادرتني والدتي مبتسمة (( صباح الخير أيتها الفنانة الكسولة .... لم أقصد إيقاظك آسفة )) غمغمت رادة تحيتها .. صباح النور
تناولت والدتي غرضا و غادرت الغرفة و من ثم المنزل إلى عملها . حاولت أن أعاود النوم فلم استطع .. مرهقة أنا اثر ليلة عمل فنية.. يا للزهو!! ... يا للسخرية!! .. فهذا الفن المستحدث في حياتي ليس إلا بكاء داخليا و نحيبا مستترا .. ليس إلا وهما استدعيته لأملا به فراغا في نفسي و أعوض به بعض خسائري اللانهائية .
اليوم هو أول أيام عطالتي الاختيارية و التي يبدو لي أنها ستدوم طويلا هذه المرة .... اليوم أبدا في دفع ثمن مبادئي المرهقة دوما .... و التي تصطدم دائما بمتطلبات العمل و أساسيات النجاح ... تدخل معهما في حرب ضروس .... و تخلفني في آخر الأمر صفر اليدين إلا من شهادة بحسن السلوك ... صفر الخاطر إلا من حسرة .
الرسم فكرة احتلتني منذ يومين ....و أنا التي كنت أتمنى و بكسل أن امسك بالفرشاة منذ زمن .... إلا أنني الآن بالذات اعلم أن بداخلي أشياء احتاج إلى التخلص منها في لوحة ... عندما طرحت الفكرة لم يرتح لها والدي و حاول بلطفه أن يثنيني عنها ... أكيد خوفا علي عنقي العزيز عليه من آلام مزمنة يعاني هو منها نتيجة امتهانه الرسم منذ عدة عقود إلا انه وعدني آخر الأمر أن يشتري لي المستلزمات في الغد ....... إلا أنني و أنا المتعجلة دائما .... المندفعة بكمن سيطير منها الإلهام إن لم ترسم فورا سارعت و ذهبت أتسوق مستلزمات اعرفها جيدا كابنة رسام قضت ليال طويلة ترقبه و هو يخلط الألوان .... و يركبها و يوزع الضوء و الظلال في أرجاء اللوحة ... ثمة خلق و إبداع مدهشين في ذلك .
لما عدت إلى المنزل ..... شددت وثاق اللوحة و بدأت ارسم .... تمنيت في تلك اللحظة لو أن لي موهبة كموهبة ديلاكروا حين رسم لوحته ( المأساة علي وجه فتاة) .. يالشطحاتي الانتقائية .
أخيرا أقنعت نفسي بمغادرة الفراش ... قمت ببعض الطقوس الصباحية .... أعددت كوب شاي و دهنت شريحة من الخبز ببعض الجبن ... حملتهما في صينية و عدت إلى غرفتي المحراب .. أكلت و شربت بشهية جيدة فشهيتي تتناسب عكسيا مع مزاجي ..... قررت أن أبدد الصمت بصوت فأدرت جهاز التسجيل و بقيت أتأمل ما رسمته
بليل ..... ليس سيئا كنتاج لأول لقاء مع الفرشاة.......كنت قد رسمت فتاة صغيرة سوداء نحيلة بفستان ابيض فضفاض ربما هو لأختها الكبيرة .. تطيّر الريح ذيله كاشفة عن ساقين هزيلتين ... تنتعل في أقدامها صندلا بيتيا
شعرها القصير ممشط علي شكل جدائل كثيرة ... لها عينين واسعتين جميلتين برغم أجفانهما الثقيلة ... ثمة أثر لتقطيبة علي جبينها ... عجزت أن أرسم لها فما .... لابد لها من شفتين رقيقتين ... عجزت عن تخطيط شفتيها فتركتها بلا فم حتى يفتح الله به علي .لازالت اللوحة تحتاج إلى عمل كثير.
في تلك اللحظة كان الكابلي يغني "أنا من ضيع في الأوهام عمره" ابتسمت حتى و إن لم اكن فأنا الآن أحس بقليل أو كثير من الضياع و بثقل الوهم في رأسي . تذكرت خساراتي المتكررة بدعوى المبادئ و التي و للآسف اعلم أنني ما كنت أستطيع سوي التزامها مدعية أمجادا صغيرة هي الغباء المنقطع النظير في رأي الكثيرين .
عدت أتأمل لوحتي فكرت بوالدي.... ترى هل ستعجبه؟ ..... هو رجل رقيق يخشى بتواضعه أن يضع توقيعه علي لوحاته يخشى أن يقلل خط اسمه من جمالها..........أما أنا !!..... هاهاها .. ضحكت ضحكة شريرة متواطئة مع أفكاري
لقد كان علي أن ابدأ بتوقيع لوحتي قبل أن اشرع في الرسم ....... نعم أحتاج لإنجاز ما أنسبه الي حتى و إن كان لوحة بيضاء.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 02-01-2006 الساعة 05:19 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2006, 09:43 PM   #15
سحر القلوب
عضو جيّد جداً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الإقامة: واق الواق شتاءً وتوسكانيا صيفاً
المشاركات: 2,731
Talking

اشرف يا ماسة في قلب النيلين نحن نتابع
التوقيع
سحر القلوب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2006, 08:47 AM   #16
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الاخت الغالية سحر القلوب

سعدت جدا بمتابعتك..
واتوقع منك الإضافة هنا بأي قصة سودانية رائعة قرأتها او مرت بك
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2006, 09:21 AM   #17
الصريح
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الإقامة: الدوحة - قطر
المشاركات: 582
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اشرف السر
خلال العقود الأخيرة تطورت كتابة القصة القصيرة في السودان.. وظهرت أقلام جيدة لها ابداع مميز..
تقف حالة النشر والاعلام السوداني عن معرفة الناس لأعمالهم الجيدة..
نخصص هذا البوست للقصص السودانية الجيدة..
وليعرفها الناس هنا..
نشكر لك هذا الجهد المميز .... ونحن حقيقة أحوج ما نكون للأطلاع على بصمات العمالقة ... نتمني اكمال السلسلة ونحيي جهدك مرة أخرى
الصريح غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2006, 01:06 PM   #18
عبدالباسط
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الإقامة: U.S /AZ /PHONIX
المشاركات: 394
اخى اشرف
صدقنى لا املك الا ان اقول ان سلسلتك الماسية
اتت بالروعة التى يمكن معها ( اخذها ووضعها فى
اطار للتأمل فيها واستلهام الوحى منها..) .
فلك التحية على هذا الجهد المقدر

اخوك / عبدالباسط
التوقيع
[SIGPIC][/SIGPIC]
أقبل على النفس وأستكمل فضائلها..
فأنت بالروح لا بالجسد إنسان
..
نقطة.. سطر جديد
هناك إناس ان قلت عنهم بما لا يرضيهم..كرهوك .. وان قلت
عنهم بما يرضيهم .. كرهت انت نفسك .. اذآ فالعاقل هو من
يسقطهم من فكره .
عبدالباسط غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2006, 01:23 PM   #19
عبدالباسط
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الإقامة: U.S /AZ /PHONIX
المشاركات: 394
اخى اشرف
لك التحية
اعذرنى يا اخى عدت اليك وفى جعبتى بعض الملاحظات
وهى تتعلق بالشكل الاخراجى ليس الا .. فمثلا انى قد وجدت
بعض الصعوبات فى التنقل بين سطور تلك الروائع والغوص
فى اعماقها وذلك اما لصغر الخط كما فى ( فضاء فسيح
اخضر ) او ( قطار الشمال الاخير ) ... وكذلك اما لبهتان
اللون مثلا كما فى ( هذا الصباح ) ... ولكى تعم الفائدة
الجميع ارجو شاكرا وضع هذه الملاحظات فى الاعتبار
.. حتى تتوسح السلسلة بثوب جميل على شاكلة ( حمى الدريس )
و ( الفكى ) .

ولك ودى

اخوك / عبدالباسط
التوقيع
[SIGPIC][/SIGPIC]
أقبل على النفس وأستكمل فضائلها..
فأنت بالروح لا بالجسد إنسان
..
نقطة.. سطر جديد
هناك إناس ان قلت عنهم بما لا يرضيهم..كرهوك .. وان قلت
عنهم بما يرضيهم .. كرهت انت نفسك .. اذآ فالعاقل هو من
يسقطهم من فكره .
عبدالباسط غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2006, 05:00 PM   #20
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الصريح
نشكر لك هذا الجهد المميز .... ونحن حقيقة أحوج ما نكون للأطلاع على بصمات العمالقة ... نتمني اكمال السلسلة ونحيي جهدك مرة أخرى
الاخ الصريح

مرورك اسعدني جدا.. وحقيقة فإن هذا البوست يهتم بجودة العمل في المقام الأول سواء كان كاتبه مشهورا ام لا.. قديما ام حديثا.. ميزاننا هو الابداع..
وهذه سلسلة لا تنجز بجهد شخص واحد..
اطمح ان تشاركوني بالاعمال القصصية الرائعة لكتاينا السودانيين اينما كانت..
لك كل الود..
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-01-2006, 05:23 PM   #21
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821
الاخ عبد الباسط

لك جزيل شكري على الاطراء.. وإن كان ما اقوم به هو جهد المقل.. وجزء من العرفان للأقلام السودانية المجهولة..
تجدني معتزاً جداً بملحوظاتك القيمة حول تنسيق بعض المشاركات.. وليت كل الردود مثل ردك هذا لنستفيد ونطور البوستات شكلاً ومضمونا...
قمت بالتعديلات المطلوبة.. وآمل دوام حضورك هنا لاستفيد من ملحوظاتك.. واود لو شاركتني بوضع بعض الاعمال القصصية السودانية..
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com

التعديل الأخير تم بواسطة اشرف السر ; 05-24-2010 الساعة 08:35 PM
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2010, 08:35 PM   #22
اشرف السر
عضو مُـميز جداً
 
الصورة الرمزية اشرف السر
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الإقامة: خارج الزمن
المشاركات: 5,821

من مجموعة - هاء السكت
بشرى الفاضل



مصادرة






حفروا قبواً خلسةً إلى يافوخه عبر ظلام الليل و هناك احتطبوا خلايا غالية من دماغه.لقد سرقوا في حقيقة الأمر صور الجنة من خيال هذاالكائن الجسور الذي لا يطيقون.لم يعد في علبة المخ التي كانت غنية فيما مضى سوى صور الجحيم.وصاح قائد فصيل إعدام الأحلام،وهو يدمر الخلايا الغالية باسم الخالق:
- بعد هذا يا مارق لن ترى الجنة حتى في الحلم!
الدهشة أصابت المدوّنان الرقيبان النورانيان الدائمان حيال هذه الجسارة البشرية التي تتحدث باسمهما وباسم المعبود هكذا بوثوق تام كأنماهناك تفويض مكتوب.
الدهشة أصابتهما، ولما كانا أصلاً في حالة صمت فلم تصبهما هاء السكت لكنهما سكتا إلى حين.
التوقيع
مدونتي الخاصة

http://ashrafelsir.com
اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
Protected by CBACK.de CrackerTracker