زواج سوداناس

صورة إيلان.. اختزال المأساة



شارك الموضوع :

أصدق تعليق قرأته على صورة جثة إيلان الطفل السوري الذي غرق قبالة سواحل تركيا وأثارت صورته صدمة في العالم: أن الطفل الضحية عندما أسلم الروح وألقت به أمواج البحر في الشاطئ واجه العالم بحذائه، فهذا أقل ما يستحقه هذا العالم خاصة أمته ونظام دولته التي خرجت منها أسرته خائفة وجلة تبحث عن الأمان والعيش الكريم.. لقد حوّلت مأساة ذلك الطفل كلمات مواطنه الشاعر نزار قباني من غزل إلى تراجيديا، في قوله وهو يصف صعوبة حب محبوبته قائلا:
لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَ عميقٌ جِداً
ما أبحرت..
لو أنِّي أعرفُ خاتمتي
ما كنتُ بَدأت..
ويمضي قباني في قصيدته تلك قائلا:
إن كنتَ قويَّاً.. أخرجني
من هذا اليَمّ..
فأنا لا أعرفُ فنَّ العوم
وقال قباني في قصيدته الأخرى قارئة الفنجان:
وتجوب بحاراً وبحارا
وتفيض دموعك أنهاراً
وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً
وسترجع يوماً يا ولدي
مهزوما مكسور الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر
وخيم على قباني الأسى والحزن بعد وفاة زوجته العراقية بلقيس الراوي إثر انفجار السفارة العراقية في بيروت عام 1982 حيث ترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عنده ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها، حمّل فيها الوطن العربي كله مسؤولية قتلها.
لقد روى عبد الله شنو والد إيلان الذي وجد ممددا على بطنه على رمال شاطئ بودروم جنوبي غربي تركيا، أن ولديه إيلان وغالب (3 و5 سنوات) انزلقا من بين يديه بينما كان يمسك بيد زوجته حين انقلب المركب الذي كان يقلهم إلى اليونان هربا من جحيم بشار الأسد حين كانوا بين الأباطح يغشاهم بها الغدر. وقد عثر على الشاطئ نفسه على جثتي شقيقه غالب ووالدتهما ريحانة.
ألا ليت شعري وخطوب الأمة العربية كثيرة، نتذكر قول أحمد شوقي وكأنه يخاطب ذلك الطفل بقوله:
أيها الصارخ من بحر الهموم ** ما عسى يُغني غريق عن غريق
لقد بكت الأم السورية وانتحبت حتى تصدع قلبها، دون أن يلوح في الأفق معتصم، فمعاناتها طار أنينها في السماء وتجمعت آهات غيومها فهطلت دموع الحزن والجرح دون أن تطرق سويداء قلوب الساسة العرب وتفتح مغاليقها بل اثاقلوا إلى الأرض عندما سمعوا دعوة الملهوف.
كان إيلان وشقيقه يزقزقان كل يوم في بيتهما كطيور الحديقة كأنهما في عرس مستمر، لكن مع اشتداد وطأة الحرب هتف والديهما: سنخوض الإعصار ونرسو في آخر الأمر على الشاطئ السعيد باعتبار الهجرة، فرجا ومخرجا وإبصار لفُرجة اليسر مع استحكام العسر؛ لكن هناك كان الشاطئ الحزين حيث بقايا أحلام ابتلعها البحر الغادر ثم تلمظ بها جثثا تحكي قصة مأساة إنسانية كبرى.
لماذا يهرب السوريون صوب أوروبا ومساحة الوطن العربي 48 مليون ميل مربع؟!.. ألا يستطيع سكان الوطن العربي (نحو 500 مليون نسمة) استضافة 5% من تعدادهم على افتراض أن كل الشعب السوري (22 مليون نسمة) هاجر؟.. ولا تحدثوني عن ثروات الوطن العربي!!.
المفارقة المحزنة كذلك تعامل الصحف الأوروبية بمهنية مع صورة إيلان التي اختزلت مأساة السوريين، بينما لم تحرك الصورة المفجعة ساكن بحيرة الإعلام العربي إلا من رحم.. فوجدت حظها في غيره إبرازا وتوظيفا إنسانيا رفيعا بيد أنها حُشرت حشرا في مساحات وزوايا ضيقة في الصحف العربية.
تقول صحيفة ديلي تلغراف البريطانية: إن فاجعة الطفل الغريق تجسد حجم المعاناة الهائلة التي يكابدها هؤلاء اللاجئون البؤساء على مختلف أعمارهم هربا من ويلات الحروب والاضطرابات في بلادهم. وعلقت صحيفة جارديان على صور الطفل الغريق بأنها صادمة ومأساوية وتذكر بالمخاطر التي يخوضها الأطفال وأسرهم بحثا عن حياة أفضل، وقالت إن فاجعة هذا الطفل ينبغي أن تجمع العقول وتجبر دول الاتحاد الأوروبي على العمل معا والاتفاق على خطة لمعالجة أزمة اللاجئين. وتساءلت صحيفة إندبندنت مستهجنة “إذا لم تغير هذه الصور المفجعة للطفل السوري الغريق الذي جرفته الأمواج إلى الشاطئ موقف أوروبا من اللاجئين فما الذي سيغيره؟”.
تدرك الصحافة المهنية غير العربية أن العين ترى وتدرك أكثر من 75% من جملة الإدراك الذي تقوم بها حواس الإنسان.. بل أصبحت الصّورة تملك قابلية خلق دلالات خاصة. وتشكل الصورة الصحفية حيزا قائما بذاته، ومادة صحفية مستقلة بذاتها في بعض الأحيان، كما يمكن أن تكون على أقل تقدير تأكيدا للمادة الخبرية التي تترافق معها، وتستطيع أيضا أن تعكس وتقدم قراءات للحدث من زوايا معينة، بجانب استخداماتها في فنون التحرير الصحفي المختلفة.
وتؤكد الدراسات الإعلامية أن نحو 75% من قراء الصحف والمجلات يلاحظون الصورة ويركزون عليها، وأن نحو 50% منهم يلاحظون العناوين الرئيسية، وأن 29% منهم يلفت نظرهم تعليقات الصور، في حين لا تلفت المادة التحريرية إلا انتباه نحو 25% من القراء، مما يعني أن الصورة تعد أفضل وسيلة لجذب انتباه القراء واهتمامهم.
لقد كانت تلكم الصورة واضحة بكل جوانبها وأبعادها وتفاصيلها، وكانت ذات صلة قوية ووثيقة بالحدث الذي وقع بكل تفاصيله وأشخاصه ونتائجه المسجلة بالكاميرا وكانت أيضا بمنزلة الوثيقة الشاهدة على تأكيد صحة الخبر ووقوعه. بل روت تفاصيلها أهم لحظات الحدث، والطريقة التي وقع بها. وسيظل مضمونها عالقا بالذاكرة لأطول فترة ممكنة، أي ستكون مؤثرة لا تنسى.
اللهم يا مُسهّل الشّديد، ويا مُليّن الحديد، ويا مُنجز الوعيد، ويا من هو كل يوم في أمرٍ جديد، أخرج الشعب السوري من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك يدفعون ما لا يطيقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        علي درس

        مقال جميل ومؤثر جدا
        ربنا نسي الكاتب الشطرة الثانية من بيت الشعر:
        وستعرف بعد رحيل العمر
        وهي:
        أنك كنت تطارد خيط دخان

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *